like facebook


views : 2091 | replycount : 2
النتائج 1 الى 3 من 3
  1. #1
    جميلة الرياض غير متواجد حاليا ملك المنتدى
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    الردود
    2,598
    براندة" ،"حكاية المكان و الناس "
    قراءة في رواية " الساحة الشرفية"


    لعبد القادر الشاو ي


    استهلال : كلما قررت وزارة التربية مولفا من المولفات الا وتعرض لعدة انتقادات . يكون بعضها موضوعيا ، وهذا مهم و ضروري و على الوزارة الاستفادة منه فيما سياتي من مولفات : وخير مثال ما طرحته "رواية اوراق" من مشاكل وصعوبات قد نعود اليها لا حقا). ويكون بعضها مشحونا بالاحكام القبلية المبنية على نوع من "الايديولوجية" المناقضة لطبيعة المولفات، وخاصة السردية منها.
    و كذلك هو الامر بالنسبة لرواية الساحة الشرفية فقد ارتفعت بعض الاصوات النشاز للتهويل من حجم "قلة الحياء و التهتك الاخلاقي" الذي ستنقله هذه الرواية المسكينة الى اكبادنا المراهقين وكان اطفالنا يعيشون في مجتمع طاهر افلاطوني ! وكانهم لا يستهلكون ثقافة التلفزيون و القرص المدمج و الانترنيت" التي توفر لهم كل "اشكال الانحراف" في غياب التاطير الجدي لهم من طرف الاهل و المدرسة!!
    وهذا ذكرني بالمعركة النقدية التي دارت بين ناقدين فرنسيين احدهما محافظ ومتزمت هو "بيكار"، وثانيها متنور وعقلاني وهو "بارت" فقد اعتبر الاول ان تحليل اعمال "راسين"، بالتركيز على الابعاد النفسية و الاجتماعية للشخصيات نوع من نشر الفساد .وسخر منه الثاني قائلا: ما مضمونه علينا اخصاء الشخصيات لنجعلها طاهرة!!!









    1- بنية الرواية تتكون هذه الرواية من 248 ص من الحجم المتوسط. وتنقسم الى ثمانية فصول على الشكل التالي:
    · الفصل الاول:"براندة"،83 ص ويعتبر اطول فصول الرواية .
    · الفصل الثاني:"الرنين استراحة المكلوم"،5ص، ويعتبر اقصر الفصول.
    · الفصل الثالث:ادريس العمراوي ،36 ص.
    · الفصل الرابع:"مصطفى الدرويش 34 ص.
    · الفصل الخامس :"عبد العزيز صابر،29 ص.
    · الفصل السادس: احمد الريفي "15 ص.
    · الفصل السابع:"سعد الابرامي"،23 ص
    · الفصل الثامن : "الخروج" 10 ص و الخروج هنا دال على خرو جين مختلفين : من سجن ومن الرواية.
    2- المتن الحكائي:
    يمكن الحديث عن متنين متمايزين، ومتكاملين:
    2-1-المتن الحكائي في الفصل الاول "براندة" ويتكون من دائرتين حكائيتينك الحكاية الكبرى او العامة ، وهي حكاية براندة الجبلية ثم الحكاية الصغرى :
    - حكاية الماء و الصراع حوله بين اهل لمراح و اولاد بن عبيد.
    - حكاية القائد ابن عبد سلام
    - حكاية الفقيه بن يرماق.
    - حكاية السانية.
    - حكاية الخنزير و اهل براندة.
    - حكاية الاستسقاء.
    - حكاية الشجرة و قطعها
    - حكاية خانة اليهودية.
    - جكاية البئر وماساة حفره.
    - حكاية شامة.
    - حكاية السياسة و اهل براندة.
    - حكاية اهل براندة و الهجرة...
    وهذه الحكايات متداخلة و متكاملة فيما بينهامما يحقق لحمة للسرد في الرواية
    2-2:المتن الحكائي في باقي فصول الرواية :
    وتشكل حكاية المناضلين الذين تعرضوا للسجن بسبب افكارهم ومواقفهم السياسية، في مرحلة من مراحل تاريخ المغرب المعاصر،واهم هذه الحكايات هي حكاية "سعدالابرامي" التي تعتبر رابطة بين جميع الحكايات، بحكم الدور الوظيفي الذي يلعبه "سعد" كسارد اساسي في الرواية.
    ويتميز المتن الحكائي –عموما-بانفتاحه على مجموعة من قضايا المجتمع المغربي : قضايا اجتماعية –اخلاقية –سياسية ثقافية /فكرية...ونفسية.
    3- وضعية السارد:
    انطلاقا من طرحنا الاسئلة التالية:من يتكلم؟من يحكي في الرواية، ومن يرى، ومن ينقل الاحداث؟
    يمكننا ان نحدد –عبر الجواب عليها –وضعية السارد في "الساحة الشرفية" فلنعمل على ملاحظة الجمل السردسة التالية:
    - "عندما وصلت براندة " ص5 .
    - "الخطبة الطويلة التي كنت قد مللت سماعها، وما طلبي للعزلة الادبية هنا الا اصراري على انكار فحواها".ص:84 .
    - "وفي لحظات كثيرة كنت اسالني: الا اكون بهذا الهروب قد ظلمت نفسي؟"ص:87.
    -
    - " يا سعد خض في الهناءة " ص: 87 .(سعد يخاطب نفسه).
    لنستنتج بان السارد (الراوي) يستعمل ضمير المتكلم (انا).
    ونعرف ان اسمه "سعد الابراسي" احد ابناء براندة.
    مثقف و سجين سابق ، ونتعرف عليه اكثر في فصل خاص به معنون ب"سعد الابرامي" (ص ص:211 -233).
    وهذا النوع من السارد يطلق عليه :السارد/الشخصية، فهو مشارك في الاحداث، وقريب منها، وهو يلعب دورين في الاحداث:
    ا‌- دور القيام بالافعال (المشاركة في الاحداث:الحوار-السجن...)
    ب‌- دور القيام بالحكي (السرد)ينقل لنا اخبار البلدة ويعرفنا على الشخصيات، من خلال ما يعرفه هو او ماينقله عن غيره.
    لكن بملاحظتنا لفصل:"سعد الابرامي" الذي اشرنا اليه سابقا، و انطلاقا من هذه التعابير:" نفزة التي تداعبه/لم يقل شيئا ذابال في" النقد الذاتي" يوم دعي لمكاشفة الرفاق ../ كان يقول لعبد اللطيف الزروالي../..."" نسجل ان "سعد" الذي كان ساردا لباقي الفصول ، اصبح موضوعا للسرد في هذا الفصل و لكن المتكلم بضمير الغائب ليس هو ذاته، وانما صوت اخر لا نعرفه، حيث استعمل ضمير الغائب (هو=سعد).وهذا تكسير للروية مع ، من خلال استعمال السارد العارف بكل شيئ (الروية من الخلف) لكن في الفصل الاخير يعود صوت "سعد" السارد/الشخصية.
    4- القوى الفاعلة:
    4-1- الشخصيات:يمكن اعتبار سعد الابرامي شخصية اساسية، نطلق عليها تسمية "الشخصية الرابطة " قد يلعب دور "البطولة الفردية" اذا تعاملنا معه بالمعنى التقليدي المالوف ( البطل الروائي يحتكر اهم الاحداث، وقد تكون له صورة سلبية (الضعف) او ايجابية (القوة) ولكن يمكن الحديث عن بطولة جماعية تساهم فيها تلك الشخصيات التي عنونت بها فصول الرواية: ادريس العمراوي –مصطفى الدرويش-عبد العزيز صابر ، احمد الريفي .
    و المشترك بين هذه الشخصيات الرئيسة كونها :
    - شخصيات تعرصت للاعتقال السياسي، مثقفة وكانت تنتمي الى التيار اليساري.
    - -شخصيات فاشلة عاطفيا وسياسيا.
    - ينفرد احمد الريفي بالانهيار الحاد الذي عاشه بعد الخروج، ليقوده الى الانتحار.
    فمن خلال الاطلالة على التجربة الجماعية لهذه الشخصيات (الانتماء الى منظومة فكرية /ايديولوجية واحدة = اليسار). او من خلال الاطلالة على التجربة الفردية لكل واحدة من الشخصيات المذكورة، فاننا نرصد –مع السارد –مظاهر وعي سياسي عاشه جيل من المغاربةخلال مرحلة تاريخية معينةوتجارب هذه الشخصيات ترصد لنا انواعا من الصراع المرير :
    ا‌- الصراع ضد السلطة من اجل تحرير المجتمع.
    ب‌- الصراع بين الرفاق'الالتزام # الخيانة)
    ت‌- الصراع مع الذات(الداخلي)،حيث نكتشف الهواجس و العيوب الذاتية لكل شخصية وتمزقاتها النفسية/العاطفية و حتى الانسانية .
    4-2. شخصيات اخرى:
    اما الشخصيات الاخرى و التي لا تخلو من اهمية في الرواية ، فهي المذكورة في "الفصل الاول :براندة". ونتوقف هنا عند : الفقيه-القائد-خانة-شامة-شكيب.
    الفقيه: شخصية تقدم بنوع من السخرية، فهو يلعب دورا مزدوجا ، يساهم في حل بعض مشاكل السكان، ويعرقل بعض مصالحهم و سلوكه فيه تناقض ولكنه في النهاية يرمز الى القوة الدينية. بصورتها المعهودة في مجتمعنا، فهو مناهض للشعودة(تحريضه على قطع الشجرة ذات التمائم-ص15)ولكنه محافظ، وربما متخلف في التعامل مع التكنولوجيا (انكاره لمشاهدة التلفزيون او المرناب كما يسميه)على الناس – ص 17). وهو معارض للمخزن ثم متعاون معه! انه جزء من المشهد الاجتماعي لبلدة "براندة".
    القائد."ابن سلام" اسم لا يدل على مسمى! انه رمز للسلطة المخزنية كما هي معروفة في مجتمعنا المغربي، السلط المبنية على القهر و التامر و المسكونة بهواجس الامن و الدسيسة...وهو يدخل في صراع غامض مع الفقيه، صراع السلطة المخزنية ضد السلطة الدينية! و القائد في هذا الفصل –يلعب دورا تخربيا في العلاقة بين "اهل المراح" و "اولاد بن عبيد" كما لعب دورا قذرا في حكاية الخنزير الذي اغار على البلدة وعات فيها فسادا:" لما نظر القائد بن سلام في تلك الشكاية بعينين ذابلتين تبسم بمكر ووعدهم كانما يشمت فيهم" ص :55 .
    خانة شخصية درامية الى حد كبير، فهي تقدم –في هذا الفصل –كحالة استثناء، متمردة على التقاليد و العلاقات المحلية، وتحمل شحنة كبيرة من الغموض و التعقد.
    خانة اليهودية جاءت(...) على براندة في تاريخ لا يعرفون له بداية، ربما قبل تاريخ اغلبهم (...) انها نبتت مع السانية (...)"ص 71 و قد ارتبطت "السانية(...)" كما سنعرف لا حقا، بطرفين سلبيين : الاستعمار و الدعارة.وكانت "خانة" هي السيدة المتوجة على عرش هذا المكان "الباطرونة" المشرفة على ادارة عالم المتعة السرية المحرمة لكبار البلدة و غيرهم فهي التي حولت ذلك الموقع العسكري الى موقع للدعارة . حولته من عار على الوطن الى عار على كرامة السكان ...." فخانة "، و الاسم هنا حامل لمعنى سلبي "الخيانة " رغم انه ليس عربيا !! تحمل بعدا سلبيا في الرواية لكنها مع ذلك تلعب دورا حيويا في حياة "البرانداين" اذ تعرف اسرارهم (حكاية الحاج العربي –ص 76 )
    وتعلقه بشامة او شوشو = شومي ، تهويد الاسم !)
    اذا كان دور اشراف خانة على الدعارة اساسي في هذا الفصل فانه ليس الوحيد: فقد لعبت دورا اجتماعيا /انسانيا! بحيث كانت تمثل المراة الفاضحة للكثرين، فاصبحت مثار نقاش و اختلاف بين "البرانديين": " لايبدو ان قوما اختلفوا في شان قدر اختلاف البرانديين في شان اليهودية "خانه" ص 65 .و اصبحت مصدر ازعاج لبعض كبار القوم "اليهودية اذا نزلت الى قاع البلدة حاسرة وزعت على المعروفين منهم تلك الشتائم التي كانت تذكرهم بماضي براندة (...) تنفث سمومها اللاذعة فيمن اصبح من كبرائهم القانتين."الحاج العربي يا الشارف الهارف" تكشف له عن البورة المتيبسة المنكمشة تحتها(..) ص 65. فيسكت مكرها عن نعوتها حتى لا تفتضح اسراره.....بين قومه" ص 50 .
    كما كانت مصدر ازعاج للسكان، فقد ابتعدوا عن المكان (السانية وناحيتها( الذي كانت تحتله:"سكان براندة كانوا قد تركوا هذا الوسط المهمل لتلك المجنونة خانة التي ظلت تجوب اركانه"
    شامة: امراة من النساء اللواتي توظفهن "خانة" في "السانية" ويتم التركيز عليها في الفصل الاول كنموذج لفتيات "في عمر الزهور[هربن الى السانية ] منجاة لهن من قهر القبيلة او العائلة او الزوج" ص:74 . وحكايتها ماساوية ، فقد هربت من زوجها "الاهبل الفقير" احميدو، بفعل تحريض "نسوة الفرات" و اغترارها بجمالها، الذي يسبب لها مشاكل (كثرة الاقباال عليها وتدليلها-الغيرة منها...) وتنتهي حياتها الماجنة بقتلها"كانت هناك طعنات ظاهرة وحادة عند بطنها وتحت رقبتها و اثار عنف بالغ عند عينيها" ض 76 .
    ظلت شامة ترمز بجمالها الفاتن لكل مظاهر الفتن الغاوية و الشر الصامت. وكان اغتيالها حلقة من حلقات القتل في "براندة" التي عانت من شرور القتل و الاختطاف بسبب العداوة التقليدية بين فخدتي اهل المراح و اولاد بن عبيد ما شابت له الرووس "ص76 .
    احمد شكيب: شاب "براندي" من اهل المراح، مثقف، اصيب بالجنون، على اثر حادثة غريبة وغامصة بالغابة.اصبح مرتبطا بخانة حيث وحدهما الجنون، والتمرد على البلدة.
    يرمز الى غربة الثقافة و المعرفة في مجتمعه :"يقرا و يقرا و يقرا" ص 66 وقد عاش الاغتراب داخل قومه "يبدو انه لما كان يخالف القوم في كل شيئ تقريبا فقد الصقوا به كل ما جافوه عن كراهية مضمرة (..)ص66 .كما تعرض لعدة مضايقات و اشاعات، الى ان جرد من ارضه، وفقد غقله انه صورة لاغتراب العقل في مجتمع لا عقلاني متخن بالدسائس و الوشايات و الكراهية.
    5- دلالات المكان :
    5-1 : "براندة " اسم غريب لبلدة السارد/سعد ، ويمكن ان نسميها :"مكان القبل ومكان البعد" اي قبل السجن وبعده، وهي مكان الطفولة، الذي سيتحول –بعد الخروج من السجن الى مكان للخلاص او الهروب : "في لحظات كثيرة كنت اسالني : الا اكون بهذا الهروب قد ظلمت نفسي؟"ص:87 ثم يردف السارد قائلا "كانت تراودني الهجرة الى براندة وكنت احار في تفسير هذا الهوى الغامض واقول ان براندة هي الهجرة الممكنة.انا مقتنع بهذا رغم ان "براندة" لا يمكن ان تكون لي ملاذا .انني مقتنع بالوهم(..)ص241 .
    عبر هذا المكان نطل على عالم الطفولة (طفولة السارد ) وذكرياته لكن اهم ما نعرفه هو "تاريخ براندة" وتحولاتها المازومة، في علاقتها : بالمخزن، بالطبيعة بالمجتمع(الصراع-الهجرة...)...و تقدم لنا معطيات جغرافية و هندسية كثيرة عن بلدة "براندة(توجد في موقع يجمع بين الجبل و الغابة ، بين الهضبة و السفح...).ولنفهم هذا المكان "الكبير" لابد من التوقف عند الامكنة الصغرى المشكلة له واهمها: الغابة –البئر-الضريح- السانية.
    1.1.5 الغابة:هي "مجمع الشرور" ص 59/60 .وقد:"بقيت الغابة في موضعها الساكن الى الاسرار، تزداد كل يوم غموضا وتتعالى في هذا الغموض الى منتهى الطلسم(...) ص 60.
    انها مكان غامض ، وخطير، داخله نفدت عدة مومرات ودسائس(اختطاف البنات و النساء-اشعال النار-اصابة احمد شكيب بالجنون ...خروج الخنزير منها...).
    2.1.5 : البئر:"كانت هناك حفرة متيبسة من عهود. الحفرة صارت الان ردما.الردم الذي غمر البئر فطمرها.البئر التي استجمعت انفاس قتلاها عندما انحدروا عليها بحثا عن الماء فاندفنوا فيها واحدا بعد الاخر(...)" ص 27 .
    هذه البئر تمثل جزءا اساسيا من فضاء براندة وذاكرتها، وهي تحمل دلالتين متناقضتين:
    ا:- دلالة ايجابية:الحياة –الخصب-التضامن الجماعي...
    ب:- دلالة سلبية. الموت-العقم-القتل الجماعي/الانتحار.
    ففي الوقت الذي كانت فيه براندة" تحضر نفسها للتمتع بمصدر مائي جديد يصمن لها الرفاه، تفجع في الشباب الذين تكلفوا بحفر البئر ورغم الماساة فان سكان اهل المراح وبني عبيد "حولوها الى وسيلة للتصامن و التعايش بدل الصراع حول الماء.كما كان الحال بسبب الجفاف "ثم كيف ان ندرة الماء كادت ان تشعل فتيل الحرب بينهم و كيف تحول حفر البئر في ناحية من ارضهم الى مقبرة لخيرة شبابهم" ص28.
    موت الشبان الخمسة (اثنان من اهل المراح و ثلاثة من اولاد بني عبيد، وكلهم من شبابهم الذين تعاقدوا على تجاوز العداوة بحفر البئر حتى تبقى بين اهاليهم اصرة ص33.
    3.1.5 الضريح:"سيدي عبد الله بن عبيد" هو اسم الوالي الصالح الذي اقيم عليه ضريح " ببراندة" .واليه ينتسب "اولاد بن عبيد" احدى اهم الكتل السكانية لبراندة. وهم استقووا با نتمائهم للولي الصالح و اعتبروه راعيا لمصالحهم : انهم توهموا الى الابد ان الماء الذي اوقفه عليهم سيدي بن عبد الله بن عبيد هبة لن ينضب صبييه، فقد توارثوه سنينا(...)" ص:36 .
    ويعتبر الضريح مكانا ذا دلالات متعددة يستوحيها من علاقته بباقي الامكنة المجاورة، فهو يوجد في موقع مرتفع يشرف على بلدة "براندة": "ان لارتفاع الارض هنا مزية فهي تراقب المدخل الى براندة الذي منه ياتي الغرباء و المتسوقون، ناهيك عن المنظر الذي كان مضرب المثل في المتعة(...) هناك جبل "الشيات" (...) كخيمة اسطورية (...) و الجبل الاقرع(...)الموحي بالفراغ ذي الاساطير المذكورة بينهم بوقوع مصب راس الماء في ناحية منه ...ورباط سيدي عبد الله بن عبيد الولي الغامص(...) فحينما وليت وجهك من هذا الارتفاع قابلك السحر البكر الذي يشعر الناظر بالديمومة" ص:38 .






  2. #2
    جميلة الرياض غير متواجد حاليا ملك المنتدى
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    الردود
    2,598
    ولهذا فالضريح يحمل دلالات دينية –مثل جميع الاضرحة –هي القداسة فهو في ذاكرة سكان براندة –خصوصا بني عبيد-رمز للكرامات، و البركة اذ يساعدهم على الحياة ،...الماء، وهو رمز للحياة و الخصوبة، ارتباط الضريح بالعين المائية).وارتفاعه الهندسي (اي في الجغرافية يرمز الى قيمته الرفيعة في وعي الساكن ص35 .وكذا فيمته كولي صالح عند الله.
    ان وجود الضريح في ثقافة السكان "ببراندة" يعكس جزءا من الواقع الاجتماعي المغربي ، بحيث تكثر الاضرحة، وتشكل نصيبا كبيرا من ثقافتنا الشعبية ذات المنحى الخرافي.
    4.1.5 : السانية تقدم السلنية كبناية دخيلة وغريبة عن البلدة والمنطقة، ويربط ظهورها بالاجانب (الاستعمار) . يوم عسكر فيه جنود زعر..بتلك الناحية من براندة ذات الارتفاع الذي لم يكن يوازيه في الارتفاع اي اثر اخر" ص:72.
    ويصفها السارد بدقة "بناية منيعة (...) لا يمكن ان ترى ما الى داخلها بسبب الانكفاء الذي تبدو عليه من الخارج (...) و يقال ان البناة جعلوها مستطيلة الى حد ما تتوازى حجراتها في الداخل في صفين متقابلين ينتهيان عند صالة الاستقبال "ص72وبهذا نعرف ان المكان له دلالة اصيلة اذ كان

    مركزا من مراكز الاستعمار :"لا يمكن ان تعود السانية بتاريخها الى ابعد من اليوم الذي استقرت فيه الامور لاولئك الاجانب الوافدين من بعيد، من الشمال ومن البحر، بعد ان طاردوا فلول المحاربين..." ص 71 .
    فيحمل بذلك بعدا تاريخيا يحيل على مرحلة من تاريخ المغرب المعاصر (حرب الريف/الشمال)
    ونعرف"ايضا" ان السانية اصبحت لها دلالة طارئة (جديدة بحيث اصبحت ترتبط بشخصية خانة المراة اليهودية التي اصيبت بالجنون ، وماتت في ظروف غريبة وماساوية .لقد اصبحت السانية تعرف كوكر للدعارة بعد انسحاب الاجانب و اصبحت خانة هي المشرفة، على ذلك الوكر الذي جلبت اليه عدة نساء موموسات(كما توضح لنا ذلك قصة شامة ص 74) وهذا المكان يعري جزءا من اخلاق المجتمع، بحيث ان كبار البلدة في براندة او غيرها –كانوا متورطين في ذلك(....ساومها.الحاج العربي عليها ص 75) كما ان موقع هذا المكان يساهم في رسم معالم العزلة التي فرضت على شخصية "خانة" واستبعادها عن المجتمع "البراندي".
    ان تقاطع هذه الاماكن الصغرى في اطار فضاء اشمل هو "براندة"، يشكل ملامح المكان ودلالته المتعددة في هذه الرواية. ونستنتج ان للمكان دلالالة ماساوية ، فهو يرمز الى" الشر والخطر" كما هو الحال في "الغابة و البئر" ، ويرمز الى الفساد كما هو الشان في "الضريح و السانية" وطبيعته الغامضة و المرتبكة و المتدهورة اتية من طبيعة الشخصيات المتحركة داخله.
    5-2السجن: هو مكان اساسي بنفس درجة المكان السابق"براندة" و اذا كان المكان الاول يرمز الى الخارج، بكل ما له من دلالات الانفتاح و الحرية، رغم فساده! فان السجن يرمز الى الداخل بكل ما يحمل من دلالات الانغلاق و القيود.ان "السجن" كمكان له دلالة عامة تختصر في كونه : مكان معادي ومغلق .
    بالنسبة للشخصية المتحركة داخله(المعتقل)! فقبله/خارجه تتعرص الشخصيات الاساسية للاعتقال وهو سلب لحريتهم الفردية ، وبعد الدخول اليه تعاني الشخصيات من افتقاد الحياة المتجددة و الحرة"لكن السجن لا يتبدل، الوجود داخل السجن لا يتبدل، والانفعالات اليومية ، الحراس هم انفسهم" ص 101.
    و لنقترب اكثر من جوهر هذا المكان لابد من التوقف عند ثلاثة اماكن صغرى مشكلة له هي : الزنزانة –الساحة الشرفية +و الصورة.
    1.2.5 :الزنزانة: يقول السارد " الاعتقالات التي ستولف بين قلوبنا داخل السجن" ص95 وسيكون قوله هذا نسبيا اذ سنعلم لا حقا ان "السجن" سيكون مكانا للصراع اكثر منه مكانا للالفة ....
    والاهم من هذا التوظيف المختلف للاماكن و الزنزانة "نموذج لذلك، ففي معناها الاصلي هي " ...
    : مكان مغلق معادي للشخصيات وهذا معنى وارد في الرواية ،"فالزنزانة "هي المكان الاكثر انغلاقا في السجن، و المكان الاكثر عزلة . لكن هذا المعنى يصبح جزئيا امام توالد معاني مستحدثة /مستجدة،اهمها :
    - الزنزانة تصبح منتدى للنقاش السياسي بين الرفاق!.
    - الزنزانة تصبح مكتبة للقراءة.
    - الزنزانة تصبح مكانا للموسيقى و اجترار الذكريات و الكتابة.
    و المثير للانتباه هو تحويل طابعها المعادي الى طابع ايجابي و حميمي :"هناك زنزانة في الممر جاهزة للاستقبال بمناسبة الحفل الخاص.
    جيئ بشراب في قنانين الماء المعدني حتى لا يكتشف امرها الحراس في المزار.
    اوان من البلاستيك الابيص مصفوفة على حافة المسطبة الاسمنتية الباردة وقد حوت انواعا من الفاكهة اليابسة ". ص 142 .
    تصبح الزنزانة-هنا- مكانا للاحتفال و الفرحة بين الاصدقاء و التي قد تكون مرفوضة في عيون "الرفاق الاخرين" مثل "حمدان" ص 145 .
    2.2.5 :الساحة الشرفية : "فضاء عار قيل لنا انها الساحة الشرفية " ص 158 و يعرفها السارد بقوله:"هي المكان الذي يستوفي فيه العلم الوطني، ومنها ترتفع الطرقات و الاتجاهات نحو احياء السجن المترامية" ص 158 .
    انها اخر محطة قبل الوصول الى الباب بالنسبة للخارجين، واولها بالنسبة للداخلين.هذه الساحة تحمل دلالات الانفتاح والشساعة، رغم انتمائها للسجن كمكان "للقلق" ص150 . وتصبح متنفسا للسجناء حيث يتمشون و يتشمسون و يشمون الهواء ويدردشون و يلعبون ويتخاصمون ويوزعون المناشير...!! انها مكان يكسر عزلة المكان السابق (الزنزانة)و ويمنح للذات المسجونة ايقاعا اخر للحياة، و ان كان ايقاعا لا يسلم من سمفونية الرتابة القاتلة التي ينتجها المكان الاب: السجن!
    3.2.5 :الصورة: هي مكان مخالف للاماكن المعهودة(اي الاماكن ذات البعد الجغرافي/الهندسي) التي ترسمها الرواية. ولكنه مكان "الساحة". فهذه الصورة الضوئية هي جزء من الذاكرة، هي تاريخ لزمن السجن "كان يبدو علينا جميعا اننا ما وجدنا في الصورة الا لاننا تواعدنا ذلك اليوم على الغذاء المشترك، واننا كنا في مكان واحد بالساحة اياها تلك التي انتظرنا شمسها في الايام الباردة كلها، و ان الصورة لا يمكن ان تنطق بالاسرار المطفاة، اننا في الساحة ونحن الان في صورتها الهازئة" ص 189 . يحدد لها السارد ظرفيتها وموقعها وينطلق منها لتذكر الوجوه المرسومة عليها. لكنه يعلق عليها فيقول : "ما يحيرني في هذه الصورة بالذات انها لا توحي بهندسة السجن و لا بالرطوبة التي فككت عظامنا و لا باي شيء انها صورة ملونة خلافا للسنوات الطويلة الكاحلة التي هدمتني. صورة تامة لا ينقصها الا السجن الذي كنا فيه، او كنت فيه صحبة هولاء المعتقلين" ص:189 .
    انها مكان رمزي موارب كثيف و مضلل، فهي محايدة لانها لا تظهر المعاناة وحجمها ، و لا القلق و الوانه رغم انها ملونة ، انها تحمل وجوها...وكل منها لغزمترع بالاسرار ...انها المكان المخادع ...ولكن السارد يمتلك مفاتيحه، التي يستطيع بواسطتها فتح واقفاال تلك الوجوه/الذوات التي تصطف في الصورة.
    ان هذه الاماكن الصغرى المشكلة لفضاء السجن تشخص دلالاته العميقة وترسم تضاريسه المتوحشة التي يحفرها في الذوات المعتقلة....وهو في تضاده مع الخارج يشكل ثنائية ضدية تحقق توترا سرديا هائلا يضمن للاحداث ديناميتها المتفجرة.
    6- التمات الاساسية ( الموضوعات/القضايا ):
    يمكن الحديث عن تيمة اساسية في هذه الزاوية، انها تيمة: "الاعتقال السياسي" ، وهي تتحدد عبر عدة ابعاد:
    ا‌- الاعتقال السياسي في بعده الفردي: الارتباط بوقائع فردية عاشتها كل شخصية اساسية من شخصيات هذه الرواية.
    ب‌- الاعتقال السياسي في بعده السياسي: الارتباط بوضعية سياسية اشتهرت في المغرب المعاصر، وسميت بمرحلة سنوات الرصاص، خاصة السبعينيات من القرن العشرين.
    ج- الاعتقال السياسي في بعده الاجتماعي/التاريخي: انفتحت الرواية على اوضاع اجتماعية وسردية تاريخية تمس المغرب المعاصر، وهذه الابعاد بطبيعة الحال متداخلة ومتقاطعة ومتكاملة فالشخصيات الروائية كذوات فردية، لها انتماء اجتماعي وتتحرك في واقع تاريخي، وتعبر عن انتماء سياسي محدد كما يمكن الحديث عن تيمة اخرى مرافقة للاولى، ولا تفل عنها اهمية: انها تيمة "الحب" او "التجربة العاطفية" .
    وما لاحظناه من خلال تتبع المتن الحكائي هو ارتباط اهم الشخصية الذكورية باسم امراة:
    · احمد شكيب/ خانة.
    · ادريس العمراوي/ سيلبيا .
    · مصطفى الدرويش/ فتحية (اخته) [ارتباط عاطفي خاص مبني على الاخوة].
    · عبد العزيز صابر/ فهيمة.
    · سعد الابرا مي/ نفزة.
    وكل امراة هنا تمثل حكاية عاطفية كاملة، بكل ابعادها الرمزية (باستثناء فتحية ذات الدور الخاص). وتعتبر كل حكاية عاطفية بمثابة خلفية لحكاية سياسية. كما انها تساعدنا على اكتشاف البعد الانساني في الشخصية الروائية.
    = عبد الجليل لعميري =
    * "الساحة الشرفية" رواية عبد القادر الشاوي، ط 2، 2005، منشورات الفنك. 284 ص، (كل الاحالات بالصفحات على هذه الطبعة).
    - مراجع تمت الاستفادة منها:
    - مجلة "افاق"، ع 8/9، ملف عن "طرائق السرد".
    - كتاب "تحليل الخطاب الروائي" حسن بحراوي ط i.
    - توجيهات رسمية حول تدريس المولفات.

  3. #3
    جريح الذكريات غير متواجد حاليا عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الردود
    77

من قرا الموضوع: 1

قائمة الاعضاء تم تعطيلها بواسطة الادارة.

كلمات الموضوع الدليلية

عرض صفحة الكلمات الدليلية


Content Relevant URLs by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.