رواية الساحر من دار ميوزك للطباعه والنشر والتوزيع



*********************************

الفصل الاول


قامت "اليزابيث بارون" الملقبه ب"بيب" والدكتورة في الفلسفة ، بغمس فرشاة في دلو الطلاء، لتبدا بكل دقة في دهن خط ابيض طويل بطول هيكل القارب القديم.
كانت عملية الطلاء بالنسبة لهذه المراة الشابة شيئا جديدا تماما ولكنها كانت قد استوعبت كل ماقراته عن هذا الموضوع في كثير من الكتب التي اشترتها خصيصا لذلك . وكان يوما حارا جدا على غير عادة ايام شهر ابريل ، فلم تستطع قبعتها ولانظارتها_ التي كانت على شكل قلب- ان تمنع انسياب العرق على وجهها . وكانت قد لصقت علىانفها قطعة من شريط لاصق مضاد لضربات الشمس والذي زاد من غرابة مظهرها ايضا.
انتهى الامر ب"بيب" بالنزول من على السلم بغيه تنشيف عرقها بواسطة قميص رياضي كان مقاسه لا يناسبها ، لذلك كانت تستخدمه في الاعمال المنزلية ، تناولت جرعة من المياه الغازية وحاولت ان تنسق قليلا من شعرها الكثيف لتقرر بعد ذلك العودة الى عملها من جديد .
لقد كان هذا احد مشاريعها التي اعلنت عنها في تقريرها الذي كان عنوانه" من اجل تنمية اجتماعية سريعة " وكانت مصرة على انهاء عملها قبل عودة ابناء جيرانها - التوءمين"ستراهان" - من المدرسة التي تقع على الجانب الاخر من البحيرة . لقد كانت تتدرب معهم على رياضة "البيس بول" كل يوم جمعه ، وكانت لديها رغبة حقيقية في تحسين ادائها لهذه اللعبة .
اندمجت "بيب" تماما في عملها لدرجة انها لم تعد تحس مايدور من حولها: لم تكن ترى سوى انسياب الفرشاة على هيكل السفينة . كما ان النسمة الدافئه التي كانت تهب بين اشجار السرو زادت من احساسها بالراحة والعزلة .
لم توثر زقزقة العصافير على اوراق الاشجار ، ولا قفزات الاسماك من حين لاخر خارج الماء على تركيزها . الشيء الوحيد الذي ادركتة عن طرق اللاوعي هو صوت طائرة مروحية كانت تقترب شيئا فشيئا خلف المنزل ، بعد نهاية منطقة الاشجار ، في نفس الوقت الذي كانت تتوقف فيه قليلا لتحرك سلمها، سمعت بوضوح اصوات اقدام تتجه نحوها.
"ربما كانت"نان" اتت لتتاكد من انني اكلت سنودتشاتي". كان هذا تفكيرها وهي تنظر الى كيس السندوتشات الذي لم تلمسه .
ابتسمت "بيب" . من الموكد انها ستتعرض للعتاب من طرف هذه السيدة العجوز ، التي كانت تتعامل معها كما لو كانت جدتها وليس كمديرة لمنزلها ، كانت عباراتها من طراز:
- انك نحيفة لدرجة تجعل الناموسه تزهد في غذائها منك.
في نفس الوقت الذي كانت المراة الشابة تحضر فيه ردا مفحما تسكت به توبيخات "نان" ، حينما رات رجلين يخرجان من بين الاشجار الكثيفة .
قال اصغرهما سنا :
- صباح الخير
كان يرتدي بنطلون جينز، وسترة واقية من الرياح ، وزوجا من احذية "ريبوك" ، ويضع على راسه قبعة "بيس بول " تغطي شعره الكثيف ذا اللون الاسود المحمر . لفتت نظراته المثيرة انتباه الجامعيه الشابة.
كانت عيناه الخضراوان اللامعتان مبتسمتين ولكنها حافظت على نظراتها دون ان ترمش .
لقد احست "بيب" باضطراب لم يحدث ان شعرت به من قبل. لاول مرة منذ سته وعشرين عاما من ا لحياة احست المراة بغريزتها انها امام رجل .
وفي حين انها كانت تمتلك قدرة غير عادية على التعبير ، اصبحت "بيب" فجاةغير قادرة على تعريف الشعور الذي كان ينطلق منها ولكنها ادركت نوعا من السحر، من التاجج الذي سرعان ماسيطر عليها
ابتسم لها وقال لها شيئا لكنها لم تسمعه ولم ترد عليه ،كان هناك شيء يمنعها من الكلام . كانت تحس كانها تمثال مصنوع من الملح تم طحنه ، لم تنتبه الى قطرات الطلاء المتساقطه من الفرشاة لتستقر على حذائها الرياضي القديم.
ولكنها مالبثت ان اجابت بعد بذل مجهود غير عادي لتتمالك نفسها:
-ماذا؟
وابتسم الرجل الشاب من جديد لتظهر غمازتاه الفاتنتان وفكرت المراة الشابه :
- اذا استمر في النظر الي بهذه الطريقه فسوف ينتهي بي الامر الى الذوبان.
تقدم الرجل الاكبر سنا خطوة ناحية "بيب"وعلى العكس من الذي تكلم معها والذي كان ظريفا وفاتنا ،كان الاخر - بالرغم من بدلته وربطة عنقه- لايشعرها من ناحيته باي ثقه .
كان يعلوها بمقدار الراس تقريبا .

رفعت راسها نحوه دون ان تنتبه بعد الى الطلاء الابيض المتساقط على حذائها الرياضي .
استدرك الرجل ذو البدله الكامله قائلا:
-اننا نبحث عن الدكتورة "لي بارون" ، وليس لدينا وقت لنضيعه . ان مدبرة المنزل قالت:اننا سوف نجدها هنا.
استجمعت "بيب" افكارها ،ووجهت انتباهها نحو الرجل الغريب الفاتن الذي كان لايزال يبتسم بشدة وهو ينظر اليها.
كان الشعور بالخجل يتملكها من جرا مفاجاتها في هذه الحالة السيئة امام رجل مثله، لم تشعر من قبل بكل هذا الاحراج ، ادركت ذلك فجاة بكل مرارة ، احمر وجهها من الخجل ولكنها استطاعت ان تكون ردا :
-انها ليست هنا لقد ذهبت الى "الدنيمرك ".
واستدرك الرجل الشاب مستفهما ومبديا ابتسامة غريبة زادت من اضطراب المراة الشابة :
-الى "الدنمرك" ؟
وصرخ الجل ذو البدلة قائلا:
-الى "الدنمرك"؟ تفاهة؟
وبحركة تعبر عن انزعاجه قام باخراج ورقة من فئة الدولار الواحد ومد يده ناحية "بيب" :
- كوني فتاة ظريفة واذهبي لاحضار الدكتورة "لي بارون" ، لاننا نريدها في امر مهم ، سوف ننتظرها في بيتها .
وبدون اي كلمة اضافية استدار الرجلان وتركها مذهوله وممسكة بورقة الدولار في يدها .
تمتمت بصوت منخفض وهي ناقمه على قصر قامتها ووجهها الطفولي :
- لقد انني مراهقة صغيره.
في الواقع انها اكتشفت انها لعبة دور المراهقه الخجول لدرجة اقنعتهما، وفي نفس الوقت الذي كانت تدس فيه ورقة الدولار في الجيب الخلفي لبنطلونها الجينز سمعت صوتا غليظا ياتي من خلف ظهرها رات "بيب" ان الشاب الجذاب عاد اليها وكانه يستمتع باضطرابها .. مما سبب لها انزعاجا .
دققت النظر اكثر في وجهه وتاكدت من انه ليس رهيبا بالصورة التي تعتقدها وبررت انجذابها نحوه على انه من اثر الجوع الذي كانت تشعر به . لكنه استمر مع ذلك في تثبيت نظره عليها . وكان هو ايضا اطول منها قليلا بالرغم من انه ليس مثيرا للانفعال مثل الشخص ذي البذله الذي كان معه منذ قليل .
وسالته "بيب" بنزعاج:
- من انتما على وجه الدقه؟
ورد و قائلا وكانت هي ترمقه بنظرة ذهول:
- لقد خرجت من تلك الحشره الطائرة ،المروحيه التي هبطت منذ قليل انا قائدها.
نزع طاقيته وقام بحركة احترام قصيرة وغريبة :
-"سوبر هايس" ، في خدمتك سيدتي ، وانتي؟
واستمر في ابتسامته المستهزئة المرسومة على ركن شفتيه.
-انني "بيب" ال.."بيب" فقط.
- الدكتورة "لي بارون". اليس كذلك؟
وردت هي بغيظ:
-نعم ارجو منك المعذرة ، فعندي عمل يجب ان انتهي منه . انني تعطلت بما فيه الكفاية .
وقبل ان تتحرك امسك بذراعها وقال:
-لابد لك ان تنظفي اولا هذا الطلاء الذي تساقط على قدميك.
نظرت الى اسفل وظهرت على وجهها علامة التعجب.
واستطرد"هاريس" قائلا وهو يحمل قطعة من القماش ويريد ان يمررها على الحذاء الرياضي للمراه الشايه :
-دعيني اعتني بذلك ، هكذا ، اعتقد ان هذا سوف يفي بالغرض ، هل عندك فرشاة ثانية؟
-لماذ؟
-لكي اساعدك طبعا، حتى يكون العمل اسرع وايضا سيكون اكثر متعه اذا ما قام شخصان معا بهذا العمل .
همهمت برضا واشارت لقائد الطائره لتدله على مكان دلو طلاء كبير فارغ يحتوي على الكثير من الفرش الخاصة بالدهان. قام باختيار احداها بانتباه بدء يدهن بهمة .
استطاع بعد عشر دقائق ان يدهن جزءا كبيرا من سطح الهيكل المراد طلاوه .
وابتسم قائلا:
- عليكان تسرعي، لانني سافوز عليك بهذه الطريقة وردت قائلة وهي تزيد من سرعتها في الطلاء:
- لم اكن اعلم اننا نتسابق .
رد الرجل وهو يزيد من سرعته اكثر فاكثر دون ان يضيع اي ضربة للفرشاة :
-بلى، بلى.
حاولت "بيب" مسايرة ايقاع "هايس" ولكنها فشلت في ذلك. فلقد انهت طلاء الجزء الخاص بها بعده بعشر ثوان.
صرخ هو قائلا:
-انتصرت!
-هذا ليس عدلا، لقد بدات قبلي.
-ولكننب قمت بدهن ضعف المساحة التي قمت بها انت.وتناول علبة صودا من صندوق المثلجات واعطاها للمراة الشابه ، التي شربت منها جرعة طويله لتعيدها اليه مره ثانية. وقام هو بشرب مابقي منها دفعه واحده قبل ان يلقيها بحركة متقنه داخل صندوق المثلجات .ثم اخذ سندوتشين واعطاها احدهما ، وجلسا على الارض ليتناولاهما .
سالته "بيب" في حيرة:
- ماذا يفعل هذا الرجل هنا ؟
رد وهو يلتهم سندوتشه:
-"ليونارد هوكر"؟ انه يعمل بموسسة "ميرث" ،انه يحاول ان يقنعك بقبول وظيفة ، اظن انها ستعجبك.
- لقد اخذت اجازة بدون مرتب لعدة شهور .
سالها "هايس" وهو يلتهم بشراهة سندوتشا اخر:
-لماذا؟
-انها قصة طويلة .