ملخص رواية رجال في الشمس
ما زالت صامتة وفكر هو: " غدا سيكبر هو الاخر.. " ولكنه قال:
- " الطريق طويلة، وانا رجل عجوز ليس بوسعي ان اسير كما سرتم انتم.. قد اموت .. "

لم يتكلم احد في الغرفة زوجته ما زالت تهدهد طفلها ، وكف سعد عن الالحاح ولكن الصوت ! انفجر في راسه هو :
- " تموت؟ هيه ! من قال ان ذلك ليس افضل من حياتك الان ؟ منذ عشر سنوات وانت تامل ان تعود الى شجرات الزيتون العشر التي امتلكتها مرة في قريتك... قريتك ! هيه ! "

عاد فنظر الى زوجته :
- " وماذا ترين يا ام قيس؟ "

حدقت اليه وهمست:
" كما ترى انت.. "

" سيكون بوسعنا ان نعلم قيس.. "
- " نعم " ..
- " وقد نشتري عرق زيتون او اثنين.. "
- " طبعا ! "
- " وربما نبني غرفة في مكان ما.."
- " اجل "
- " اذا وصلت.. اذا وصلت.."

كف، ونظر قليلا ثم ستنساب دمعة واحدة تكبر رويدا رويدا ثم تنزلق فوق خدها المغضن الاسمر.. حاول ان يقول شيئا، ولكنه لم يستطع، كانت غصة دامعة تمزق حلقه.. غصة ذاق مثلها تماما حين وصل الى البصرة وذهب الى دكان الرجل السمين الذي يعمل في تهريب الناس من البصرة الى الكويت، وقف امامه حاملا على كتفيه كل الذل وكل الرجاء اللذين يستطيع رجل عجوز ان يحملهما.. وكان الصمت مطبقا مطنا حين كرر الرجل السمين صاحب المكتب:
- " انها رحلة صعبة، اقول لك، ستكلفك خمسة عشر دينارا ".
- " وهل تضمن اننا سنصل سالمين؟
- " طبعا ستصل سالما، ولكن ستتعذب قليلا، انت تعرف، نحن في اب الان، الحر شديد والصحراء مكان بلا ظل.. ولكنك ستصل.."

كانت الغصة ما تزال في حلقه، ولكنه احس انه اذا ما اجل ذلك الذي سيقوله فلن يكون بوسعه ان يلفظه مرة اخرى:
- " لقد سافرت الافا من الاميال كي اصل اليك، لقد ارسلني سعد، اتذكره؟ ولكنني لا املك الا خمسة عشر دينارا، ما رايك ان تاخذ منها عشرة وتترك الباقي لي؟ "

قاطعه الرجل:
- " اننا لا نلعب.. الم يقل لك صديقك ان السعر محدود هنا؟ اننا نضحي بحياة الدليل من اجلكم.. "
- " ونحن ايضا نضحي بحياتنا.. "
- " انني لا اجبرك على هذا "
- " عشرة دنانير؟ "
- " خمسة عشر دينارا.. الا تسمع؟ "

لم يعد بوسعه ان يكمل، كان الرجل السمين الجالس وراء كرسيه، المتصبب عرقا، يحدق اليه بعينين واسعتين وتمني هو لو يكف الرجل عن التحديق، ثم احس بها، ساخنة تملا موقه وعلى وشك ان تسقط.. اراد ان يقول شيئا لكنه لم يستطع، احس ان راسه كله قد امتلا بالدمع من الداخل فاستدار وانطلق الى الشارع، هناك بدات المخلوقات تغيم وراء ستار من الدمع. اتصل افق النهار بالسماء وصار كل ما حوله مجرد وهج ابيض لا نهائي. عاد، فارتمى ملقيا صدره فوق التراب الندي الذي اخذ يخفق تحته من جديد.. بينما انسابت رائحة الارض الى انفه وانصبت في شرايينه كالطوفان.


اسعد

وقف اسعد امام الرجل السمين صاحب المكتب الذي يتولى تهريب الناس من البصرة الى الكويت ، ثم انفجر :
- خمسة عشر دينارا سادفعها لك ؟ .. لا باس ولكن بعد ان اصل وليس قبل ذلك قط ..

حدق اليه الرجل من وراء جفنيه السمينين وسال ببلاهة :
- لماذا ؟
- لماذا ؟ ها ! لان الدليل الذي سترسلونه معنا سوف يهرب قبل ان نصل الى منتصف الطريق ! خمسة عشر دينارا ، لا باس .. ولكن ليس قبل ان نصل ..

طوى الرجل اوراقا صفراء امامه وقال بلوم :
- انا لا اجبرك على اي شيء .. انا لا اجبرك .
- ماذا تعني ؟
- اعني انه اذا لم تعجبك شروطنا فبوسعك ان تستدير ، وتخطو ثلاث خطوات ، وستجد نفسك في الطريق .

الطريق ! .. اتوجد بعد طرق في هذه الدنيا ؟ الم يمسحها بجبينه ويغسلها بعرقه طوال ايام وايام ، كلهم يقولون ذلك : ستجد نفسك على الطريق ! .. قال له ابو العبد الذي هربه من الاردن الى العراق :
- " ما عليك الا ان تدور حول الاتشفور ، لا باس ان تضرب قليلا الى الداخل . انت ما زلت فتى وبوسعك ان تتحمل قليلا من القيظ .. ثم عد ، وستجدني بانتظارك على الطريق ..
- " ولكن هذا لم يكن ضمن الشروط .. لقد قلت لي ، ونحن في عمان انك ستاخذني الى بغداد ودفعت لك عشرين دينارا كاملا .. لم تقل لي انني سادور حول الاتشفور .. "

وضرب ابو العبد جناح سيارته المغبر فعلمت اصابعه الخمسه وبان من تحتها لون السيارة الاحمر الفاقع .. كانت السيارة الضخمة واقفه الى جانب البيت قرب جبل عمان حين تفاوض معه ، وهو يذكر تماما كل الشروط التي قيلت :
- " انها مهمة صعبة ، وسوف ياخذونني الى السجن لو امسكوك معي ، ورغم ذلك فسوف اقدم لك خدمة كبرى لانني كنت اعرف والدك ، رحمه الله .. بل اننا قاتلنا سوية في الرملة منذ عشر سنوات .. "

صمت ابو العبد قليلا .. كان قميصه الازرق ينضح بالعرق واعطاه وجهه الحاد شعورا بانه امام واحد من اولئك الرجال الذين يعتقدون ان اجتراح معجزة ما هو واجب من واجبات رب العائلة :
- " ساخذ منك عشرين دينارا .. وسوف تجد نفسك في بغداد "
- " عشرون دينارا ؟ "
- " نعم ! وعليك ايضا ان تساعدني طوال الطريق . سنبدا بعد غد ، على ان اشحن سيارة صغيرة لرجل ثري في بغداد كان قد امضى شطرا من الصيف في رام الله ثم اراد ان يعود الى بغداد بالطائرة .."
- " ولكن .. عشرين دينار ؟ "

نظر اليه ابو العبد بالحاح ، ثم انفجر :
- " انني انقذ حياتك بعشرين دينارا .. اتحسب انك ستمضي عمرك مختفيا هنا ؟ غدا يلقون القبض عليك .."
- " ولكن من اين .. من اين احضر لك عشرين دينارا ؟ "
- " استدن .. استدن ، اي صديق بوسعه ان يعطيك عشرين دينارا اذا عرف بانك ستسافر الى الكويت .. "
- " عشرون .. عشرون .. "
- " الى بغداد ؟ "
- مباشر !

ولكنه كذب عليه ! استغل براءته وجهله ، خدعه ، انزله من السيارة ، بعد رحلة يوم قائظ ، وقال له ان يدور حول الاتشفور كي يتلافى الوقوع في ايدي رجال الحدود ، ثم يلتقيه على الطريق !
لكنني لا اعرف هذه المنطقة .. اتفهم انت معنى ان اسير كل هذه المسافة حول الاتشفور ، في عز الحر ؟
ضرب ابو العبد جناح سيارته المغبرة مرة اخرى ، كانا واقفين منفردين قبل ميل من الاتشفور وصاح :
- ماذا تعتقد ؟ ان اسمك مسجل في كل نقاط الحدود ، اذا راوك معي الان ، لا جواز سفر ولا سمة مرور .. ومتامر على الدولة ماذا تعتقد انه سيحدث ؟ كفاك دلالا .. انك قوي كالثور بوسعك ان تحرك ساقيك .. سالاقيك وراء الاتشفور على الطريق .

كلهم يتحدثون عن الطرق .. يقولون : تجد نفسك على الطريق ! وهم لا يعرفون من الطريق الا لونها الاسود وارصفتها ! وها هو الرجل السمين ، المهرب البصراوي يكرر القصة نفسها .
- الا تسمع ؟ انني رجل مشغول جدا ، قلت لك : خمسة عشر دينار وساوصلك الى الكويت ، طبعا عليك ان تمشي قليلا ولكنك فتى في غاية القوة ، لن يضرك هذا .
- ولكن لماذا لا تصغي الى ؟ قلت لك انني ساعطيك المبلغ اذا ما وصلنا الى الكويت .
- ستصل ! ستصل !
- كيف ؟
- انني اقسم لك بشرفي انك ستصل الى الكويت !
- تقسم بشرفك ؟
- اقسم لك بشرفي انني سالتقيك وراء الاتشفور! ما عليك الا ان تدور حول تلك المنطقة الملعونة وستجدني بانتظارك !

لقد دار دورة كبيرة حول الاتشفور ، كانت الشمس تصب لهبا فوق راسه ، واحس فيما كان يرتقي الوهاد الصفر ، انه وحيد في كل هذا العلم .. جرجر ساقيه فوق الرمل كما لو انه يمشي على رمل الشاطئ بعد ان سحب زورقا كبيرا امتص صلابة ساقيه .. اجتاز بقاعا صلبة من صخور بنية مثل الشظايا ثم صعد كثبانا واطئة ذات قمم مسطحة من تراب اصفر ناعم كالطحين .. تراهم لو حملوني الى معتقل الجفر الصحراوي .. هل سيكون الامر ارحم مما هو الان ؟ عبث .. الصحراء موجودة في كل مكان ، كان ابو العبد قد اعطاه كوفية لف بها راسه ، ولكنها لم تكن ذات جدوى في رد اللهب بل خيل اليه انها اخذة ، هي الاخرى ، في الاحتراق .. كان الافق مجموعة من الخطوط المستقيمة البرتقالية ، ولكنه كان قد عقد عزمه على المسير بجد .. وحتى حينما انقلب التراب الى صفائح لامعة من ورق اصفر ، لم يتباطا .. وفجاة بدات الاوراق الصفر تتطاير فانحنى يلمها :

شكرا..شكرا.. ان هذه المروحة الملعونة تطير الاوراق من امامي، ولكن دونها ليس بوسعي ان اتنفس.. ها! ماذا قررت؟.
- هل انت متاكد من ان الدليل الذي سترسله معنا لن يهرب؟

كيف يهرب ايها الغبي؟ ستكونون اكثر من عشرة اشخاص.. لن يكون بوسعه ان يهرب منكم ..
- والى اين سيوصلنا؟

حتى طريق الجهرة، وراء المطلاع، وهناك ستكونون داخل الكويت..
هل سنمشي كثيرا؟.
- ست او سبع ساعات فقط...

بعد اربع ساعات وصل الى الطريق، كان قد خلف الاتشفور وراءه، وكانت الشمس قد سقطت وراء التلال البنية الا ان راسه كان ما يزال يلتهب وخيل اليه ان جبينه يتصبب دما.. لقد اقتعد حجرا والقى بصره بعيدا الى راس الطريق الاسود المستقيم، كان راسه مشوشا تخفق فيه الاف الاصوات المتشابكة ، وبدا له ان بروز سيارة كبيرة حمراء في راس تلك الطريق امر خيالي وسخيف .. وقف، حدق الى الطريق من جديد، لم يكن بوسعه ان يرى بوضوح بعد ، تراه الغسق ام العرق؟.. كان راسه ما يزال يطن مثل الخلية وصاح بملء رئتيه :
- ابو العبد .. يلعن ابوك.. يلعن اصلك..
- ماذا قلت ؟
- انا ؟ لا شيء.. متى ستبدا الرحلة؟
- حال يصير عددكم عشرة.. انت تعرف، ليس بوسعنا ان نرسل دليلا مع كل واحد منكم ، ولذلك فنحن ننتظر حتى يرتفع العدد الى عشرة اشخاص ونرسل معهم دليلا واحدا.. هل ستعطيني النقود الان؟
- شد على النقود في جيبه وفكر: سوف يكون بوسعي ان ارد لعمي المبلغ في اقل من شهر.. هناك في الكويت يستطيع المرء ان يجمع نقودا في مثل لمح البصر..
لا تتفاءل كثيرا، قبلك ذهب العشرات ثم عادوا دون ان يحضروا قرشا.. ورغم ذلك ساعطيك الخمسين دينارا التي طلبتها، وعليك ان تعرف انها جنى عمر..
- اذن لماذا تعطيني النقود اذا كنت متاكدا من انني لن اعيدها لك؟
- انت تعرف لماذا.. الست تعرف؟ انني اريدك ان تبدا.. ان تبدا ولو في الجحيم حتى يصير بوسعك ان تتزوج ندى.. انني لا استطيع ان اتصور ابنتي المسكينة تنتظر اكثر هل تفهمني؟

احس الاهانة تجترح حلقه ورغب في ان يرد الخمسين دينارا لعمه يقذفها بوجهه بكل ما في ذراعه من عنف وفي صدره من حقد، يزوجه ندى ! من الذي قال له انه يريد ان يتزوج ندى؟ لمجرد ان اباه قرا معه الفاتحة حين ولد هو وولدت هي في يوم واحد؟ ان عمه يعتبر ذلك قدرا، بل انه رفض مئة خاطب قدموا ليتزوجوا ابنته، وقال لهم انها مخطوبة ! يا اله الشياطين ! من الذي قال له انه يريد ان يتزوجها؟ من قال له انه يريد ان يتزوج ابدا ؟ وها هو الان يذكره مرة اخرى ! يريد ان يشتريه لابنته مث لما يشرى كيس الروث للحقل، شد على النقود في جيبه وتحفز في مكانه.. ولكنه حين لمسها هناك، في جيبه، دافئة ناعمة، شعر بانه يقبض على مفاتيح المستقبل كله، فلو اتاح الان لحنقه ان يسيطر عليه ليرجع النقود الى عمه، اذن لما تيسرت له قط فرصة الحصول على خمسين دينار باي شكل من الاشكال.. هدا غضبه مطبقا فمه باحكام وشد اصابعه على النقود الملتفة في جيب بنطاله، ثم قال:
- لا، لا، ساسلمك النقود حالما تجهز الرحلة تماما.. سوف اراك مرة كل يوم.. انني انزل في فندق قريب..

ابتسم الرجل السمين، ثم تطاولت ابتسامته فانفجر ضاحكا بصخب:
من الخير لك ان لا تضيع وقتك يا بني .. كل المهربين يتقاضون نفس السعر، نحن متفقون فيما بيننا.. لا تتعب نفسك.. وعلى اي حال: احتفظ بنقودك حتى تجهز الرحلة، انت حر.. ما اسم الفندق الذي تنزل فيه؟
- فندق الشط..
- اه ! فندق الجرذان !

نط جرذ الحقل عبر الطريق فلمعت عيناه الصغيرتان في ضوء السيارة وقالت الفتاة الشقراء لزوجها المنهمك بالسياقة:
- انه ثعلب ! ارايته؟

قال الزوج الاجنبي ضاحكا:
- اف منكن ايتها النساء ! تجعلن من الجرذ ثعلبا !

كانا قد التقطاه بعد الغروب بقليل بعد ان لوح لهما وهما في سيارتهما الصغيرة، فلما اوقف الزوج السيارة، اطل هو من النافذة.. كان يرجف من فرط البرد، وكانت الزوجة خائفة منه.. الا انه جمع في ذهنه ما تعلمه من اللغة الانكليزية وقال:
- لقد اضطر صديقي ان يعود الى الاتشفور بالسيارة وتركني..

قاطعه الرجل:
- لا تكذب.. انت هارب من هنالك، لا باس، اصعد.. ساوصلك الى بعقوبة.

كان المقعد الخلفي مريحا وناولته الفتاة بطانية التفح بها وكان لا يستطيع ان يعرف بالضبط، هل هو يرجف بسبب البرد الصحراوي، ام بسبب الخوف، ام بسبب التعب.. وقال الرجل:
- هل مشيت كثيرا؟
- لست ادري.. ربما اربع ساعات..
- لقد تركك الدليل.. اليس كذلك؟ ان ذلك يحدث دائما.

التفتت اليه الفتاة وسالت:
- لماذا تهربون من هناك؟
- اجابها زوجها:
انها قصة طويلة.. قل لي.. هل تجيد قيادة السيارات؟
- نعم
- بوسعك ان تاخذ مكاني بعد ان تستريح قليلا.. قد استطيع ان اساعدك على عبور مركز الحدود العراقي... سنصل هناك في الثانية بعد منتصف الليل، وسيكون المسوولون نياما..

لم يكن يستطيع ان يركز راسه على محور واحد، كان مشوشا ولم يكن بوسعه ان يهتدي الى اول طريق التساولات كي يبدا، ولذلك حاول جهده ان ينام ولو لنصف ساعة..
- من اين انت؟.
- من فلسطين.. من الرملة.
- اوف .. ان الرملة بعيدة جدا.. قبل اسبوعين كنت في زيتا.. اتعرف زيتا؟ لقد وقفت امام الاسلاك الشائكة، فاقترب مني طفل صغير وقال بالانكليزية ان بيته يقع على بعد خطوات وراء الاسلاك..
- هل انت موظف؟
- موظف ؟ ها ! ان الشيطان نفسه تابي عليه براءته ان يكون موظفا.. كلا يا صديقي .. انا سائح..
- " انظر، انه ثعلب اخر.. الم تر الى عينيه كيف تتقدان؟ "
- " يا عزيزتي انه جرذ.. جرذ.. لماذا تصرين على انه ثعلب؟ هل سمعت ما حدث اخيرا هناك، قرب زيتا؟. "
- " كلا .. ماذا حدث؟ "
- " الشيطان لا يعرف ماذا حدث ! هل ستستقر في بغداد؟ "
- " كلا "
- " اوف ! ان هذه الصحراء مليئة بالجرذان، تراها ماذا تقتات؟ "

اجاب بهدوء:
- جرذانا اصغر منها.. "

قالت الفتاة :
- حقا ؟ انه شيء مرعب! الجرذ نفسه حيوان مرعب كريه... "
ديكورات جبس بورد اقواس
ديكورات جبس بورد للتلفزيون
ديكورات جبس بورد للبلازما
ديكورات جبس بورد للاسقف
ديكورات جبس بورد للحائط
ديكور جبس غرف نوم للعرسان
ديكور جبس غرف نوم رومانسية
ديكور جبس غرف نوم اولاد
ديكور جبس غرف نوم بنات
ديكور جبس غرف نوم كلاسيك
ديكور جبس غرف نوم كويتيه

فراشة حواء
مجلة فراشة حواء


قال الرجل السمين صاحب المكتب:
- " الجرذ حيوان كريه.. كيف بوسعك ان تنام في ذلك الفندق؟ "
- " انه رخيص ".

نهض الرجل السمين صاحب المكتب واقترب منه ثم وضع ذراعه الثقيلة فوق كتفيه :
- تبدو متعبا ايها الفتى.. ماذا حدث ؟ هل انت مريض؟ "
- " انا ؟ كلا ! "
- " اذا كنت مريضا قل لي .. قد استطيع ان اساعدك. لي كثير من الاصدقاء يعلمون اطباء .. واطمئن ، لن تدفع شيئا ..
- بارك الله فيك ، ولكنني تعب قليلا .. هذا كل ما في الامر .. هل سيتاخر اعداد الرحلة ؟
- " كلا ، نحمد الله انكم كثر .. خلال يومين ستجد نفسك على الطريق .. "

ادار ظهره واتجه الى الباب ، ولكن قبل ان يتجازه سمع الرجل السمين يقهقه من وراء كتفيه :
- " .. لكن حاذر ان تاكلك الجرذان قبل ان تسافر .. "


مروان

خرج مروان من دكان الرجل السمين الذي يتولى تهريب الناس من البصرة الى الكويت، فوجد نفسه في الشارع المسقوف المزدحم الذي تفوح منه رائحة التمر وسلال القش الكبيرة.. لم تكن له اية فكرة محددة عن وجهته الجديدة.. فهناك، داخل الدكان، تقطعت اخر خيوط الامل التي شدت، لسنوات طويلة، كل شيء في داخله.. كانت الكلمات الاخيرة التي لفظها الرجل السمين حاسمة ونهائية، بل خيل اليه انها كانت مصبوبة من رصاص:
- خمسة عشر دينارا.. الا تسمع؟
- ولكن..
- ارجوك ! ارجوك ! لا تبدا بالنواح ! كلكم تاتون الى هنا ثم تبداون بالنواح كالارامل !.. يا اخي، يا روحي لا احد يجبرك على الالتصاق هنا، لماذا لا تذهب وتسال غيري، البصرة مليئة بالمهربين !

طبعا سيذهب ويسال غيره، لقد قال له حسن. الذي اشتغل في الكويت اربع سنين . ان تهريب الفرد الواحد من البصرة الى الكويت يكلف خمسة دنانير فقط لا غير، وانه يجب ان يكون - حين يمثل امام المهرب - اكبر من رجل واكثر من شجاع والا ضحك عليه وخدعه واشتغل سنيه الست عشرة وجعل منه العوبة.
- قالوا ان سعر الواحد خمسة دنانير.
- خمسة دنانير؟ ها ها ها! كان ذلك قبل ان تزف حواء الى ادم.. يا بني، استدر، واخط ثلاث خطوات، وستجد نفسك في الطريق غير مطرود !

جمع شجاعته كلها وحشدها في لسانه، كل ما تبقي في جيبه لا يزيد عن السبعة دنانير، ولقد كان يحسب قبل هنيهة انه غني.. اما الان.. اتراه يستصغره؟
- سوف تاخذ مني خمسة دناينر وانت مبسوط .. والا..
- والا ماذا؟
- والا فضحتك في مخفر الشرطة !

قام الرجل السمين ودار حول مكتبه ثم وقف امامه وهو يلهث ويتصبب عرقا..
حدق فيه هنيهة قاسه فيها من راسه حتى قدميه ثم رفع يده الثقيله في الهواء..
- تريد ان تشكوني الى الشركة يا ابن ال...

وهوت اليد الثقيلة فوق خده ، فضاعت الكلمة في طنين شيطاني اخذ يدور بين اذنيه .. لم يستطع ان يحتفظ بتوازنه للحظة فخطا الى الوراء خطوتين صغيرتين ، ووصله صوت الرجل السمين مبحوحا بالغضب :
- اذهب وقل للقواويد انني ضربتك .. تشكوني للشرطة ؟

تحفز في مكانه لبرهة وجيزة ، ولكنها كانت كافية ليكتشف فيها عبث اية محاولة يقوم بها لترميم كرامته ، بل انه احس . حتى عظامه ، بانه قد اخطا خطا لا يغتفر ، فاخذ يمضغ ذله وعلامات الاصابع فوق خده الايسر تلتهب ..
- ماذا تراك تنتظر هنا ؟

دار على عقبيه ، واجتاز الباب الى الخارج فصفعت انفه روائح التمر وسلال القش الكبيرة .. تراه ماذا سيفعل الان ؟ لم يكن يريد ان يسال السوال لنفسه
قط.. ولكنه ليس يدري لماذا كان يحس بنوع من الارتياح.. ترى ما السبب في ذلك ؟ لقد احب ان يشغل نفسه بالتقصي عن السبب.. ثمة شعور يملا جانبا من ، راسه ويوحي له بالارتياح والسعادة، ولكنه لم يكن ليستطيع ان يفصله عن كل الاحداث الموسية التي احتشدت في صدره خلال نصف الساعة الماضي.. وحين انتهت كل محاولاته الى الفشل اتكا على الحائط.. كانت جموع الناس تعبر حواليه دون ان تلتفت اليه، ربما يحدث هذا للمرة الاولى في حياته: ان يكون منفردا وغريبا في مثل هذا الحشد من البشر.. ولكنه كان يريد ان يعرف سبب ذلك الشعور البعيد الذي يوحي له الاكتفاء والارتياح، شعور يشابه ذاك الذي كان يراوده بعد ان ينتهي من مشاهدة فيلم سينمائي فيحس بان الحياة كبيرة وواسعة وانه سوف يكون في المستقبل واحدا من اولئك الذين يصرفون حياتهم لحظة اثر لحظة وساعة اثر ساعة بامتلاء وتنوع مثيرين.. ولكن ما السبب في كونه يحس الان مثل ذلك الشعور رغم انه لم يشاهد منذ زمن بعيد لما من ذلك النوع، ورغم ان خيوط الامل التي نسجت في صدره احلاما كبارا قد تقطعت، قبيل لحظات، داخل دكان الرجل السمين؟

لا فائدة.. يبدو انه لن يستطيع اختراق الحجاب الكثيف من خيبة الامل الذي ارتفع دونه ودون ذلك الشعور الملتف على نفسه في مكان ما من راسه.. وقرر، فيما بعد، ان لا يرهق راسه قط.. وان يشغل نفسه بالمسير.. ولكنه ما ان ترك جدار وبدا يمشي في الزحام حتى شعر بيد تربت على كتفه..
لا تياس الى هذا الحد.. الى اين ستذهب الان؟

كان الرجل الطويل قد بدا يسير الى جانبه بالفة، وحين نظر اليه خيل له انه قد شاهده في مكان ما من قبل، ولكنه رغم ذلك، ابتعد عنه خطوة وصب فوق وجهه عينين متسائلتين، فقال الرجل:
- انه لص شهير.. ما الذي قادك اليه ؟

اجاب بعد تردد قصير:
- كلهم ياتون اليه..

اقترب الرجل منه وشبك ذراعه بذراعه كانه يعرفه منذ زمن بعيد:
- اتريد ان تسافر الى الكويت؟
- كيف عرفت؟
- لقد كنت واقفا الى جانب باب تلك الدكان، وشهدتك تدخل ثم شهدتك تخرج.. ما اسمك؟
- مروان.. وانت؟
- انهم ينادونني " ابو الخيزران ".

لاول مرة منذ راه لاحظ الان ان منظره يوحي حقا بالخيزران، فهو رجل طويل القامة جدا، نحيل جدا، ولكن عنقه وكفيه تعطي الشعور بالقوة والمتانة وكان يبدو لسبب ما، انه بوسعه ان يقوس نفسه، فيضع راسه بين قدميه دون ان يسبب ذلك اي ازعاج لعموده الفقري او بقية عظامه.
- حسنا، ماذا تريد مني؟
- تجاهل ابو الخيزران السوال بسوال من عنده