قصة على مبارك

جريدة المصرى اليوم بتاريخ تاريخ العدد الجمعة ٢٤ اغسطس ٢٠٠٧ عدد ١١٦٧ عن مقالة بعنوان [ قصة التعليم في مصر (٢-٢) علي باشا مبارك.. فلاح لعب كل الادوار ] كتب محمد كامل ٢٤/٨/٢٠٠٧
اختاره الخديو اسماعيل في الكثير من المهام التي تتطلب رجلا فريدا، مثل تنظيم القاهرة علي نمط حديث بشق الشوارع الواسعة وانشاء الميادين واقامة المباني والعمائر العثمانية الجديدة وامداد القاهرة بالمياه واضاءتها بالغاز.
وكان علي باشا مبارك هو افضل رجل لهذه المهام الحضارية الي ان انشا دار العلوم ليحمي الثقافة الاسلامية من ثقافة الغرب، كما اسند اليه مشروع القناطر الخيرية فانعكس علي الزراعة.
ومن هنا، تولي علي باشا مهمة تمثيل مصر في النزاع الذي اشتعل بين الحكومة المصرية وشركة قناة السويس ونجح في فض النزاع الامر الذي يستحق عليه ان يكرم من الجانبين المصري والفرنسي وكان علي باشا مبارك شخصية اصلاحية جامعة حيث اهتم بالزراعة والصناعة والهندسة والتعليم الي جانب توليه ٣ وزارات مع ظهورها كموسسات مهمة في حكم البلاد سنة ١٨٤٨ حيث تولي وزارات الاوقاف والمعارف والاشغال العمومية،
وقد اقترن اسم علي باشا مبارك في تاريخ مصر الحديث بالجانب العملي للنهضة والعمران وتعددت اسهاماته فيها علي نحو يثير الاعجاب والتقدير، وكان له في كل عمل يوكل اليه اثر بارز وبصمة واضحة، لا تقيد خطاه قلة المال ولا ضعف الامكانات، يستعيض عنهما بالدراسة المتانية والنظر الممعن والجهد الوافر والصبر الجميل فياتي بالنتائج المدهشة، ويصير ما كان صعبا معقدا في يد غيره سهلا ميسورا في يده.
وتقول لنا سيرة «ابو التعليم المصري» علي مبارك انه ولد بقرية برنبال الجديدة التابعة لمركز دكرنس محافظة الدقهلية سنة «١٨٢٤» ونشا في اسرة كريمة وحفظ القران الكريم وتعلم مبادئ القراءة والكتابة ودفعه ذكاوه الحاد وطموحه الشديد ورغبته العارمة في التعلم الي الهرب من بلدته ليلتحق بمدرسة «الجهادية» بقصر العيني سنة «١٨٣٥» وهو في الثانية عشرة من عمره، وكانت المدرسة داخلية يحكمها النظام العسكري الصارم، وبعد عام الغيت مدرسة «الجهادية» من قصر العيني واختصت مدرسة الطب بهذا المكان، وانتقل «علي مبارك» مع زملائه الي المدرسة «التجهيزية» بابو زعبل وكان نظام التعليم بها احسن حالا واكثر تقدما من مدرسة قصر العيني.
وبعد ان امضي «علي باشا مبارك» في مدرسة ابو زعبل ٣ سنوات اختير مع مجموعة من المتفوقين للالتحاق بمدرسة «المهندسخانة» في بولاق سنة «١٨٣٩» وكان ناظرها مهندسا فرنسيا يسمي «يوسف لامبيزيك» ومكث «علي باشا مبارك» في المدرسة ٥ سنوات درس اثناءها الجبر والهندسة والطبيعة والكيمياء والمعادن والجيولوجيا والميكانيكا والديناميكا والفلك ومساحة الاراضي وغيرها، حتي تخرج سنة «١٨٤٤» بتفوق وكان اول دفعته باستمرار.
وتم اختيار «علي مبارك» ضمن مجموعة من الطلاب النابهين للسفر الي فرنسا في بعثة دراسية سنة «١٨٤٤» وضمت هذه البعثة اربعة من امراء بيت محمد علي باشا اثنين من ابنائه واثنين من احفاده ومن ابرزهم «اسماعيل بك ابراهيم» الذي صار بعد ذلك الخديو اسماعيل، وخلال البعثة استطاع اتقان اللغة الفرنسية.
وبعد ان قضي ٣ سنوات في المدرسة المصرية الحربية بباريس التحق علي باشا مبارك بكلية «متز» سنة «١٨٤٧» لدراسة المدفعية والهندسة الحربية وظل بها عامين التحق بعدهما بالجيش الفرنسي للتدريب والتطبيق ولم تطل مدة التحاقه اذ صدرت اوامر من «عباس الاول» الذي تولي الحكم في ٢٤ نوفمبر ١٨٤٨ بعودته، واثنين من زملائه الملتحقين بالجيش فعادوا جميعا الي مصر سنة «١٨٥١» وفور عودته الي مصر عمل بالتدريس ثم التحق بحاشية عباس الاول واشرف علي امتحانات المهندسين وصيانة القناطر الخيرية.
وعندما عرض علي الخديو مشروع «لامبيزيك» الذي كلف باعداد خطة لاعادة تنظيم ديوان المدارس فرصد ميزانية ١٠ الاف جنيه، استكثر الخديو عباس المبلغ واحال المشروع الي «علي مبارك» وكلفه بوضع مشروع اقل تكلفة، ادرك «علي مبارك» هدف «عباس» فوضع مشروعا لاعادة تنظيم المدارس بميزانية ٥ الاف جنيه وقدمه الي «عباس» الذي استحسنه لانه يمشي مع هواه في تخفيض الانفاق وكلف «علي مبارك» بنظارة المدارس وتنفيذ المشروع والاشراف عليه ومنحه رتبة «اميرلاي» وكان مشروعه يجمع المدارس كلها في مكان واحد وتحت ادارة ناظر واحد.
وبعد ان تولي ادارة ديوان المدارس اعاد ترتيبها وفق مشروعه وعين المدرسين ورتب الدروس واختار الكتب واشترك مع عدد من الاساتذة في الكتب المدرسية وانشا مطبعتين لطبعها، وباشر بنفسه شوون الطلاب من ماكل ومشرب وملبس ومسكن واهتم بتعليم اللغة الفرنسية حتي اجادها الخريجون.
وظل «علي مبارك» قائما علي ديوان المدارس حتي تولي «سعيد باشا» الحكم في ١٦ يوليو ١٨٥٤فعزله عن منصبه وعن نظارة مدرسة المهندسخانة والحقه بالقوات المصرية التي تشارك مع الدولة العثمانية في حربها ضد روسيا والتي انتهت بنصر العثمانيين والمعروفة بحرب «القرم».
فراشة حواء
مجلة فراشة حواء

وقد استغرقت مهمته سنتين ونصف السنة اقام خلالها في «اسطنبول» وتعلم اللغة التركية وذهب الي منطقة «القرم» واشترك في المفاوضات التي جرت بين الروس والدولة العثمانية وعاد الي بلاد الاناضول واقام مستشفي عسكريا بالجهود الذاتية لعلاج الامراض التي تفشت بين الجنود لسوء الاحوال الجوية والمعيشية.
وفور عودة «علي مبارك» للقاهرة فوجئ بتسريح الجنود العائدين من الميدان وفصل الكثير من الضباط وكان هو واحدا ممن شملهم قرار انهاء الخدمة.
وبعد عزله من وظيفته قرر «علي مبارك» الرجوع الي بلدته والاشتغال بالزراعة ولكن فوجئ بعودته مرة اخري بديوان الجهادية وتقلب في عدة وظائف مدنية ولا يكاد يستقر حتي يفاجا بقرار الفصل دون ابداء اي اسباب، ثم التحق بمعية «سعيد» دون عمل يتناسب مع قدراته وامكانياته حتي طلب «سعيد» من «ادهم باشا» الاشراف علي تعليم الضباط وضباط الصف القراءة والكتابة «محو الامية» وطلب من «علي مبارك» ترشيح معلمين فاذا به يرشح نفسه قائلا: «انها فرصة لتعليم ابناء الوطن» حيث قام ببث فوائد العلوم واستخدام ابسط الوسائل التعليمية كالعصا والحبل لتعليم قواعد الهندسة، يجري ذلك علي الارض حتي يثبت في اذهانهم والف لهم كتابا هو «تقريب الهندسة» وهكذا حول هذا المعلم الكفء مشروع محو الامية الي ما يشبه كلية حربية وما كادت احواله تتحسن وحماسه يزداد حتي فاجاه سعيد باشا بقرار فصل في مايو ١٨٦٢.
وترك «علي مبارك» مولفات كثيرة تدل علي نبوغه في ميدان العمل الاصلاحي والتاليف وتاتي «الخطط التوفيقية» علي راس اعماله ولو لم يكن له من الاعمال سواها لكفته ذكرا باقيا واثرا شاهدا علي عزيمة جبارة وعقل متوهج وقلم سيال يسطر عملا في عشرين جزءا يتناول مدن مصر وقراها من اقدم العصور الي الوقت الذي اندثرت فيه او ظلت قائمة حتي عصره، واصفا ما بها من منشات ومرافق عامة مثل المساجد والزوايا والاضرحة والاديرة والكنائس وغير ذلك، وله كتاب «علم الدين» وهو موسوعة ضخمة حوت كثيرا من المعارف والحكم ويقع في اربعة اجزاء تحوي ١٢٥ مسامرة، كل واحد يتناول موضوعا بعينه كالبورصة والنحل واوراق المعاملة والهوام والدواب، الي جانب ذلك له كتب مدرسية منها «تقريب الهندسة» و«حقائق الاخبار في اوصاف البحار»، و«تذكرة المهندسين»، و«الميزان في الاوقية والمكاييل والموازين».
وشغل علي باشا ٣ وزارات، اثنتين منها بالاصالة هما الاوقاف والمعارف، والثالثة هي الاشغال العمومية، وكانت نظارة المعارف في وزارة رياض باشا اخر مناصب «علي مبارك» فلما استقالت سنة ١٨٩١ لزم بيته ثم سافر الي بلده لادارة املاكه حتي مرض فعاد الي القاهرة للعلاج فاشتد عليه المرض حتي وافته المنية في ١٤ من نوفمبر ١٨٩٣ بعد ان ترك لنا اعمالا خالدة لا تنسي.
==================