في الادب العالمي


يحلو للبعض ان يطلق على فن الحكايات التي ترد على السنة الطير والحيوان اسم الخرافة او الخرافات مثلما فعل الكاتب الفرنسي الشهير لافونتين حيث سمى ما كتبه من حكايات على السنة الطير والحيوان خرافات).
والخرافة في اللغة الكلام المستملح المكذوب لذلك يقال هذا حديث خرافة
ونجد هذه الحكايات في الاداب العالمية نثرا وشعرا وان كان طابع الشعر اكثر بروزا في هذا الجانب
ويرجع تاريخ الادب نشاة الحكاية على السنة الطير والحيوان الى اليونانيين القدماء وكان هذا اللون من الادب ذائع الشهرة على ايام ارسطو وقيل ان بابريوس نظم 123 حكاية شعرية على السنة الطير والحيوان
ثم انتقل هذا اللون الادبي من اليونان الى الادب الروماني فالشاعر اللاتيني / هوراس يكتب العديد من الحكايات على السنة الحيوان مقتفيا بذلك اثر اليونان مع ما كان له من اتجاه اصيل يتفرد به
وقد حاكى الشاعر الروماني / فيدروس الذي توفي سنة 44 ميلادية الشاعر اليوناني / ايوبس في نظم الحكايات شعرا ونظما وقد انتقل هذا التاثير من اليونانية واللاتينية الى الاداب الاوربية في العصور الوسيطة
وممن نظم في تلك الحكايات الشاعر الفرنسي / لافونتين ولكنه جدد في الجوانب الفنية لهذا اللون من الادب ووضع له الكثير من القواعد التي جعلته مثالا يحتذي في الاداب العالمية
وكما ازدهر هذا اللون في الغرب الاوربي فاننا نجده ايضا قد برز في بلاد الشرق فيقال ان بلاد الهند سبقت اليونان في الحكاية على السنة الطير والحيوان كما عرفت بعض الحكايات المصرية القديمة في هذا المجال مما يرجع تاريخه الى القرن الثاني عشر قبل الميلاد مثل قصة السبع والفار التي وجدت مكتوبة على احد اوراق البردي بمصر
عند العرب
وفي الامثال العربية القديمة وفي مناسبات قولها ما يشير الى معرفة العرب بالحكايات على السنة الطير والحيوان كذلك نجد حوارات كثيرة عندما نقرا عن مناسبات هذه الامثلة حيث نجد حوارا بين الانسان والحيوان او الانسان والطير
ومع بروز هذا الفن في بلاد الهند وفي مصر فالمقطوع به ان ادب المشرق وادب الغرب قد تبادلا عملية التاثير والتاثر في هذا النوع الادبي
وفي الادب الايراني القديم وجدت الحكاية على لسان الطير والحيوان منذ عهد خسرو انو شروان في القرن السادس الميلادي فقد ترجم في عهده احد الكتب التي تحكي قصصا من هذا النوع وهناك ترجيح ان تكون قد ترجمت عن اللغة الهندية
عن كليلة ودمنة نتحدث
وعلى اثره ظهر كتاب كليلة ودمنة الذي عربه الكاتب العباسي /عبد الله بن المقفع من اللغة البهلوية الى العربية وذلك في منتصف القرن الثامن الميلادي وقد احدثت ترجمة هذا الكتاب اثرا كبيرا في الادب العربي في العصر العباسي وما بعده من عصور
والواقع ان حكايات كليلة ودمنة ليست حكايات فارسية الاصل فقط بل انها تضم حكايات من بلاد الهند والصين واليونان ومصر وبلاد العرب اي انها حصاد لبعض ما روي على السنة الطير والحيوان في العالم كله فهذه النوعية من الحكايات المحببة الى الناس جميعا من السهل ان تنتقل من مكان الى مكان يحكيها الناس ويصغون اليها وهذه سمة التراث الانساني الذي لا وطن له
نعود لنقول ان تاثير كليلة ودمنة بما ضمه من حكايات عالمية حدا ببعض العرب او غيرهم ان يقلدونه فالف الكاتب العباسي / سهل بن هارون كتابا سماه ثعلة وعفراء والف علي بن داود كتابا سماه النمر والثعلب
وبالنسبة لكتاب كليلة ودمنة الذي عربه ابن المقفع فقد اضاف اليه حكايات لم تكن موجودة في اصله كما انه صبغها بالجو العربي والاسلامي اضف الى ذلك اسلوبه المحكم المميز
ولعل اهم ملاحظة يلاحظها القارئ على هذا الكتاب انه وضع نهجا قويما اذا اتبعه الحاكم استطاع ان يسير بدفة بلاده نحو الامام ويكفل لرعيته الخير والرخاء والسعادة والهناء فبين له المواضع التي يشتد فيها اذا احتاج الامر الى الشدة ووضح له المواقف التي يلجا فيها الى اللين كما طالبه بان يكون حليما لا يستاثر به الغضب ولا تدركه العجلة فلا يتنبه الى عواقب الامور لان الغضب يغشي العقل بغشاوة كثيفة لا يستطيع معها الانسان ان يتبين حقائق الامور واضحة جلية فاذا تحلى الحاكم بهذه الصفات وتلك الاخلاق تجنب الفوضى التي قد تدب في بلاده كما طالب ابن المقفع الحكام ان يكونوا اصحاب عهد ووفاء فاذا عاهدوا وفوا بعهدهم واذا قالوا صدقوا في قولهم .
اثر كليلة ودمنة
ويمتد اثر هذا الكتاب المهم حيث نجد ابان اللاحقي الشاعر العباسي يكتب كتاب كليلة ودمنة بالشعر ثم نظمه شاعر اخر هو الشريف بن الهبارية في كتاب الفطنة ويقول ابن الهبارية في ترجمته انها خير من ترجمة ابان اللاحقي
ولهذه الحكايات نظم ثالث اسمه درر الحكم في امثال الهنود والعجم اكمله عبد المؤمن بن حسن الصاغاني كما الف ابن الهبارية على غراره كتاب الصادح و الباغم الذي طبع في بيروت والقاهرة
وكذلك الف ابو عبد الله محمد بن القاسم القرشي المعروف بابن ظفر كتابا بعنوان سلوك المطاع في عدوان الطباع وذلك على غرار كليلة ودمنة
وكثر المتاثرون بهذه الحكايات الى ان الف المؤرخ / ابن عرب شاه احمد بن محمد بن عبد الله المتوفى سنة 884 ه كتابه فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء على السنة الحيوان
كما ذكر صاحب كتاب كشف الظنون ان ابا العلاء المعري الف كتابا اسمه القائف على منوال كليلة ودمنة وهو يقع في 60 كراسة لم يتمه كما ان له كتابا اخر يسمى منار القائف يتضمن تفسيرا للقائف في 10 كراسات
وفي رسائل اخوان الصفا وخلان الوفا نجد قصة الانسان والحيوان امام محكمة الجان لا تخلو من لون كتاب كليلة ودمنة الذي عرفه اخوان الصفا جيدا واطلعوا عليه وتاثروا به
يقول المستشرق جولد تسيهر ان اسم اخوان الصفا نفسه قد يكون مقتبسا من كتاب كليلة ودمنة اذ ورد هذا الاسم في صدر باب(الحمامة المطوقة).
وقد الف كثير من الكتاب بعد ذلك عديد من القصص التي نسجت على منوال كليلة ودمنة وعلى غرار قصص الاسد والثور والبوم والغربان والقرد والغيلم والناسك وابن عرس وغيرها .
ونحب ان نشير هنا الى ان طه حسين نشر كتابا سنة 1950 م في 146 صفحة سماه جنة الحيوان وجعل الاسلوب في هذا الكتاب يجري على لسان ما فيه من حيوان والواقع ان طه حسين لم يكن يقصد بحديثه حيوانا معينا او نوعا من الطير وانما كان يقصد غرضا سياسيا في نفسه يكمن وراء قصته والحكمة التي تستخلص منها
وكذلك يمكن ان نقول بالقياس الى ابن المقفع فالحرية السياسية لم تكن متوافرة في زمنه وهو بذلك لا يستطيع ان ينقد الخليفة وبطانته نقدا صريحا وكان الخليفة ابو جعفر المنصور مشهورا في ذلك الوقت بالبطش والشدة واعمال السيف في راس كل من تحدثه نفسه بخروج عليه حتى كان من ضحاياه من قتل بالظن وتذرع المنصور في قتلهم بالزندقة وكان ابن المقفع نفسه احد هؤلاء الضحايا في نهاية الامر فلعله راى ان موقفه مع المنصور العباسي يشبه الى حد كبير موقف بيدبا الفيلسوف مع دبشليم الملك الطاغية ووجد بينهم وبين بيدبا كثيرا من المشابهة التي يمكن ان يجلوها هذا الكتاب ويعبر عن دخيلة نفسه
ولكتاب كليلة ودمنة اثره ايضا في اللغة الفارسية الحديثة فقد ترجم الى الفارسية على اساس تعريب عبد الله بن المقفع له وممن نقله الى الفارسية / ابو المعالي نصر الله حوالي عام 1144 م وحسين واعظ كاشفي في اواخر القرن الخامس عشر الميلادي ولهذا الكتاب اثره ايضا في الادب الاوربي كما يبدو لنا من تاثر لافونتين الفرنسي الكبير به
وغني عن البيان ان الحكاية على السنة الطير والحيوان تقوم بالتعبير عن شخصيات اخرى انسانية عن طريق المقابلة والمناظرة وتعبر عن حوادث وامور عن طريق الرمز
وينظر الى خصائص الشخصيات الرمزية بحيث تكون كالقناع الشفاف تظهر من ورائه الشخصيات المفقودة وذلك كما فعل لافونتين الذي اقتبس نحو عشرين حكاية من الاداب الفارسية والهندية واليونانية وحكاها على السنة الطير والحيوان وذلك في الجزء الثاني من خرافاته او حكاياته
شوقي متاثرا بكليلة ودمنة
وقد ترجم الكاتب المصري / محمد عثمان جلال المتوفى سنة 1898 م كثيرا من حكايات لافونتين في كتاب له سماه العيون اليواقظ في الحكم والامثال والمواعظ في شعر عربي مزدوج القافية
وسار على درب لافونتين الكاتب المصري / ابراهيم العرب في كتابه اداب العرب وفيه خرافات جرت على لسان الحيوان شعرا
ومن هنا يبدو تاثر الادب العربي الحديث بهذا النوع الادبي منقولا عن ادباء الغرب الى جانب ما عرف عن كتاب كليلة ودمنة في صورته العربية
ويعد امير الشعراء / احمد شوقي من البارعين في فن الحكاية على لسان الحيوان متبعا لافونتين في طريقته التي ورثها اثناء دراسته في فرنسا.
ويمكن للقارئ ان يعقد مقارنة بين حكايات لافونتين وحكايات شوقي من ناحية المضمون والتي جاءت في ديوان شوقي وذلك كالحكاية على لسان الدجاج التي تمثل اهل عصره
والحق يقال انه لا يصح لنا ان نتجاهل اثر حكايات كليلة ودمنة في حكايات شوقي الشعرية رغم ان احمد شوقي لم يعترف بذلك فواقع الامر يقول غير ذلك مع الاخذ في الاعتبار ان لافونتين الفرنسي الذي تاثر به شوقي في حكاياته تاثر دون شك بحكايات كليلة ودمنة
واحب ان اشير في هذا السياق الى انه من الموضوعات او الفنون التي ابتكرت وشاعت في العصر العباسي الاول 751 م 945 م فن القصص والحكايات على السنة الطير والحيوانات وقد بدا هذا الفن نتيجة للترجمة والازدهار العلمي والتقدم الفكري والحضاري في هذا العصر وكان هدفه هو التاديب والتهذيب وهذا واضح فيما صنعه الشاعر العباسي / ابان اللاحقي من نظمه لحكايات كليلة ودمنة