الم الامارات مكتبة القصص
استمتعو بلقراءة
الغش والخداع


أوصاني أبي في ذلك اليوم أن أشتري حلوى لأن عمي وعائلته سوف يسهرون عندنا.. ذهبت أنا وزميلي سامي للشراء، ولما دخلنا المحل استقبلنا صاحبه بوجه طلق فهش وبش ورحب،


الم الامارات مكتبة القصص gesh-feras.jpg
فطلبت منه علبة بقلاوة، فقام بتحضيرها بنفسه قائلاً: الحساب 19 ريال، فأعطيته 20 ريال، وأعاد لي الباقي، ورجعت وسامي من حيث أتينا، وفي طريق العودة نظرت إلى النقود فانتفضت مندهشاً، توقف سامي وقال متعجباً: ما بك يا محمود؟!! قلت له: إن الحلواني أخطأ الحساب فأعطاني ريالين بدلاً من ريال، فابتسم سامي وقال: بسيطة.. نرجع الآن ونعيد له الريال.. حملقت في سامي قائلاً: ماذا؟!.. أعيد الريال بعدما أصبح في جعبتي.. أي مجنون أنت؟! قال سامي صعقاً: ماذا تقصد؟ قلت له: لنرتع ونلهو، طار عقل سامي قائلاً: أترتع وتلهو بريال؟! ماذا تشتري به.. إنه ليس إلا ريالاً!!
فقلت وقد تملكني الهوس: أضيف عليه بعض الريالات.. فيتحقق الهدف.. هذه ليست مشكلة .. جن جنون سامي وحاول إقناعي بإرجال الريال إلى صاحبه ولكنه فشل، فولى مدبراً وتركني رافضاً العبث بأموال الناس على حد قوله.. أما أنا فمضيت إلى السوبر ماركت واشتريت بوظة وشوكولاته وعصير وجعلت آكل وأشرب بنهم حتى انتفخت بطني وعدت أدراجي إلى المنزل وأعطيت أبي الحلوى ولاريال فشكرني وأثنى عليّ..
بعد برهة من الزمن سرى ألم فظيع في بدني فشعرت بقشعريرة وارتجفت، وجعلت أغلى وصارت بطني تفور كالبركان فصرخت صرخ عظيمة: آآآآآه.. أنا السبب.. كان عليّ أن أعيد الريال إلى صاحبه.. آآآآآآه.. كان أبي نائماً في الغرفة المجاورة فاستيقظ فزعاً، وقد سمع مقالتي فجاء مهرولاً:
مالك يا ولدي.. ماذا أصابك؟ فأخبرته الخبر ودموعي تترقرق على وجنتي.. هز رأسه أبي قائلاً:
لقد كان صديقك سامي على حق.. ألا تعرف يا محمود أن هذا غش وخداع وتضليل؟!.. وأكل لأموال الناس بالباطل.. ألم يكرمك صاحب المحل؟.. ألم يقدم لك أفضل الحلوى بنفس راضية؟!

لماذا لم تعامله بالمثل؟؟.. اعلم يا محمود أن كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به.. ومن غشنا فليس منا.. كما قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم..
طأطأت رأسي قائلاً:
أنا مذنب.. فما العمل؟
قال لي أبي وهو يمسح دموعي: تذهب إلى صاحب محل الحلوى الآن وتعطيه الريال وتعتذر منه.. ولكن عدني ألا تغش أحداً بعد اليوم..
فقلت بغبطة: سأفعل يا أبي.. سأفعل.

ثمرة الشهامة

يحكى أن أحد اللصوص تسلل إلى داخل بيت في طرف قرية، وأخذ يجمع اشياء من أمتعة ذلك البيت، وهو يتحرك في داخله بحذر وهدوء في ضوء باهت يتسلل من ثقوب جدرانه القصبية.


الم الامارات مكتبة القصص shahama-feras.jpg
كان قد فرش عباءته الصوفية الكبيرة التي أخذ يضع تلك الأشياء فيها، شيئاً فشيئاً حتى صارت كومة كبيرة داخل تلك العباءة وغطتها.
ولم يكن في البيت تلك الساعة من الليل غير امرأة صاحب البيت الذي كان مسافراً سفراً بعيداً عن قريته، فتنبهت لوجود اللص، بعد أن أيقظها بكاء طفلها الذي يريد الرضاعة، وحارت فيما تفعل.. فهل تصيح؟ هل تكلمه وتتوسل إليه أن يترك أشياءهم ويخرج؟ لكنها خافت أن تقول هذا، فربما كان اللص مسلحاً، أو كان بلا ذمة ولا ضمير وآذاها أو آذى طفلها.
أما اللص فكان مستمراً في جمع ما ينتقي من أشياء البيت، ثم رأته يحاول جمع أطراف العباءة وشدها، وبذل جهداً كبيراً حتى تمكن من شد أطرافها بعضها مع بعضها الآخر، غير أنه ارتبك أمام صعوبة حملها، فقد حاول أن يرفعها عن الأرض عدة مرات، فلم يفلح، كانت الأشياء ثقيلة جداً، فوقف حائراً يتلفت، وبعد وقت فكر في سحبها إلى خارج الكوخ، لكنه ترك تلك الفكرة، فماذا سيظن به من سيراه وهو يسحب عباءة مملوءة بمتاع بيت؟!
وهكذا انطلق يجمع قوته كلها، ويشد يديه وساقيه لكي يرفعها، غير أنه لم ينجح إلا في تحريكها وزحزحتها.
المرأة رأته وهي ترضع طفلها، ورأت أن تسكت، فسيأتي الصباح، وعندئذ سيجذب عباءته من تحتها ويهرب، لكنه قد يهرب بأفضل متاعهم بعد أن يترك الكثير الذي لا ينفعه من ذلك المتاع.

في هذه اللحظة جاءت للمرأة فكرة حسنة، أسرعت تنفذها، فقرصت ولدها الذي يرضع، فصرخ، وأجابته:
كف عن الرضاعة والبكاء يا ولد.. دعني أساعد خالك على حمل عباءته.
فانتفض اللص متعجباً مما سمع، وأعادت المرأة:
اهدأ يا ولد.. وسأعود إليك وأرضعك بعد أن أعين خالك على حمل عباءته الثقيلة عليه.

اللص نظر إلى المرأة وهي تتحرك في اتجاهه، وأخذ يفكر بكلمة خالك.. إنها إذن عدته أخا لها، فمن العار إذن أن يسرق أخ متاع أخته، وقبل أن تصل إليه، قال اللص:
عودي يا أختي لولدك، وأكملي رضاعته.. وسأكون أخاً لك فعلاً.
وسحب عباءته من تحت الأشياء بعد أن فك عقدتها، وعند الباب قال:
المعذرة يا أختي..
وأسرع ينسحب خارجاً.
بعد أيام..
كان اللص يمشي في القرية ذات صباح، حين رآى رجلاً يضرب امرأة، لما دنا منهما عرف المرأة- إنها تلك التي عدته أخاً لها تلك الليلة، فتوجه إلى الرجل ليمنعه من ضربها، وهنا غضب الرجل، وصاح به:
من أنت لتمنعني عن ضرب زوجتي..
قال الرجل:
أنا أخوها.
فوجئ الزوج بما سمع، وراح ينظر إليه متعجباً، غير مصدق ما يسمع، ثم هتف غاضباً وهازئاً ومستنكراً:
أنت أخوها ..؟!
وضحك .. وأكمل:
أنا لم أعرف لزوجتي أخاً قبل هذه اللحظة.
وعندئذ حكى الرجل، وحكت المرأة ما حصل تلك الليلة، فوقف الزوج مندهشاً وحائراً، ثم أقبل عليه يصافحه وهو يقول:
أهلاً وسهلاً بخال ابني.. أهلا وسهلاً بأخي زوجتي.. تفضل إلى دارنا..

وهتف بزوجته:
هيئي لي ولأخيك ما نأكله.
وانطلقا يتجاذبان أطراف الحديث

السلحفاة التي فقدت درعها
كانت هناك سلحفاة تأكل ورقة خس مرمية في أحد الحقول، وفجأة سمعت صوتاً مزمجراً:
أخيراً.. عرفت من أتلف لي حقلي..!


الم الامارات مكتبة القصص solhefa-feras.jpg
نظرت السلحفاة إلى أعلى، فرأت رجلاً عابس الوجه، فقالت:
أرجوك يا سيدي، سامحني، لقد كنت جائعة جداً.

جائعة.. هه.. أنت سارقة، حتى وإن أكلت مجرد ورقة خس صغيرة.
يا لك من رجل بخيل..

دمدمت السلحفاة يانسة.. وهنا غضب الرجل لسماع هذه الكلمات حسناً إذن.. سأجعلك تدفعين ثمن كلماتك هذه .. سأنزع عنك هذا الترس الذي يغطي ظهرك..
وقبل أن تتمكن السلحفاة من فتح فمها انتزع الرجل درعها بقسوة وهو يضحك فيما كانت السلحفاة تبكي، لتمضي بعدها زاحفة وهي ترتجف من البرد، والخوف، صوب الغابة القريبة، حيث أخذت تنتحب بصوت مرتجف، أيقظ الغراب والقنفذ اللذان كانا يهجعان قريباً منها..
لماذا تبكين أيتها السلحفاة؟
سألها القنفذ.. مسحت السلحفاة دموعها بيدها، وأخذت تقص عليهما حكايتها مع الرجل القاسي الذي انتزع درعها.. وحين انتهت من سرد حكايتها قال لها الغراب:
لا بأس.. سأذهب حالاً إلى حقل الخس.. وأجلب لك درعك.
أما القنفذ فقد قال لها:
أما أنا فسوف أخيط لك الدرع ثانية، بواحدة من إبري القوية هذه.

وبعد قليل عاد للسلحفاة درعها الجميل، وعادت أنيقة مرة أخرى.



الصبر كنز لا يفنى
كانت فاطمة فتاة طيبة القلب، تعيش مع زوجة أبيها التي تعاملها بقسوة وتفضل ابنتها عائشة عليها.


الم الامارات مكتبة القصص kenz3-feras.jpg
وذات يوم حملت فاطمة الجرّة على رأسها، وذهبت إلى البئر لتملأها بالماء، فأفلتت الجرّة من بين يديها، وغاصت في الماء.
فوقفت لحظة على حافة البئر تفكر وهي في حيرة من أمرها وعيناها تنظران إلى الماء في قاع البئر العميقة فلم تلبث أن دار رأسها، ثم أغمى عليها فهوت في قاع البئر..
وعندما أفاقت رأت نفسها في حديقة غناء، فأخذت تسير في الحديقة وهي غير مصدقة لما تراه عيناها، ولم تزل تمشي حتى انتهت إلى كوخ صغير قد جلست إلى بابه عجوز فاندهشت فاطمة وهمت أن تمشي غير أن العجوز نادتها قائلة: تعالى لا تخافي شيئاً.. إنني في حاجة إليك فهل لك أن تعيش معي في هذا الكوخ وتؤنسين وحدتي؟
فأجابت فاطمة دعوة العجوز وعاشت معها تخدمها، وتعد لها الطعام، وتعطف عليها.
وفي يوم من الأيام قالت لها العجوز: إن كنت يا ابنتي تريدين العودة فأعدي نفسك، ثم فتحت باباً من أبواب الكوخ فإذا أكوام من الذهب والجواهر فقالت: خذي ما تشائين، ثم افتحي هذا الباب، فلما فتحته فاطمة رأت نفسها بالقرب من دارها فأسرعت إلى أختها وزوجة أبيها تنثر بين أيديهما الذهب، وتقص عليهما قصتها فقالت زوجة أبيها لابنتها عائشة: اذهبي ولا تعودي إلا بملء الجرّة ذهباً.
ذهبت عائشة إلى البئر فوضعت الجرّة على الحافة كأنها تريد أن تملأها ماء، ثم أفلتتها فلم تكد تغوص في الماء حتى ألقت نفسها وراءها، ثم رأت نفسها تسير في تلك الحديقة والعجوز تناديها إن أردت يا ابنتي أن تعيشي معي عليك بتدبير الكوخ، فأظهرت الفتاة الطاعة وظلت تعمل طوال اليوم، ولكنها في اليوم الثاني بدأت تشعر بالملل فلما كان اليوم الثالث كان الضيق والهم قد استوليا عليها، فقالت لها العجوز أعدى نفسك للعودة، وافتحي هذا الباب لترى ثمرة عملك.
ففرحت عائشة وأسرعت إلى الباب وهي تحمل الجرّة لتملأها ذهباً وجواهر ولكنها لم تجد وراء الباب إلا أكواماً من الوحل وأسراباً من الحشرات فقامت الفتاة مرعوبة، وأخذت تجري في الطريق المفتوح أمامها، والوحل يجاذب رجليها والحشرات تزحف عليها حتى وصلت إلى أمها، وقد تلوثت ثيابها وامتلأت جرتها بالحشرات ودواب الأرض.
ومن هنا نستنتج يا أصدقائي
أن الصبر كنز لا يفنى
والطمع أبشع وأشنع

أنا مذنب .. فما العمل؟
إفشاء السلام
ذات يوم كنت أسير أنا وأخي وليد نحو المنزل بعد قضاء يوم دراسي شاق، وإذا بأخي يستوقفني فجأة، ويشير بيده إلى شاب يمشي على قارعة الطريق قائلا: هذا صديقي مسعود.. تعال يا محمود وسلم عليه.. فقلت له متعجباً: ولكنني لا أعرفه.. فصاح ساخراً:

يا سلام.. يا للمشكلة.. إن لم تكن تعرفه فتعرف إليه!!! تسمرت مكاني ولم أنطق ببنت شفه، وذهب هو بعد أن فشل في إقناعي، وسلم عليه، وتجاذبا أطراف الحديث هنيهة ثم عاد.. لكنه طفق يعاتبني طول الطريق حتى احمرت أوداجه، وانتفخت عروقه.. دخلنا المنزل وألقينا السلام.. استقبلنا أبي قائلاً: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، لكن يبدو أنه قد سمع همهماتنا من خلف الباب فقال: ما الخطب؟! .. صوتكما مرتفع!!

فأخبره وليد الخبر، فجعل أبي يتنهد وينظر نحوي بأسف.. فعاجلته بتهدج: أنا لا أعرفه يا أبي.. ثم.. ثم.. ثم أنه صديق وليد.. و .. و.. ماذا في ذلك؟!!

فقال أبي بوقار وسكينة: علمنا الإسلام يا محمود أن نلقي السلام على من عرفنا ومن لم نعرف.. يروي أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ فقال عليه الصلاة والسلام: تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف، ولنا في السلف الصالح قدوة وأسوة فقد كان الصحابي الجليل عبدالله بن عمر رضي الله عنهما يذهب إلى السوق ولا يشتري منه شيئاً فلما سئل عن ذلك قال: إنما نغدو من أجل السلام.. نسلم على من لقيناه.

عندها فقط علمت أنني مخطئ فقلت والعرق يتصبب من جبيني:

أنا مذنب .. فما العمل؟!
تهلل وجه أبي بابتسامة صافية وقال: تسلم على مسعود إذا لقيته غداً، ونسلم على كل من عرفت ومن لم تعرف: لأن السلام ينشر المحبة ويقوي أواصر الألفة، ويغفر الذنوب والخطايا.. ألم تسمع قول الرسول صلى الله عليه وسلم:

ما من مسلمين يتلقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا
غمزني وليد بغبطة فقلت لأبي: شكراً يا أبتِ.. سألزم نصيحتك ما حييت..


الراعي والكلب

يحكى أن أحد العباد الزاهدين، صلى وقرأ القرآن الكريم ونام بعد طول تعبد وصلاة، فرأى في منامه راعياً رث الثياب، وجهه مغبر، يمشي حافياً وقد شد وسطه بخيط صوف، وهو يحرك عصاه الطويلة على غنمه.

وسمع وهو ما يزال مستمراً في منامه صوتاً يناديه:
- لا تستخف بهذا الرجل، ولا تستصغر شأنه، فقد رضي الله عنه، وكتب له الجنة، ورآى نفسه في منامه يسرع إلى الراعي ويأخذ يده ويقبلها.

نهض العابد صباحاً، وتذكر ما رآه في منامه، واستعاد صورة الرجل وملامحه، وقال:
قد يكون حلمي هذا رؤيا حقيقية صادقة أراني إياها الله سبحانه وتعالى لأتدبر وأفكر.

وعندئذ فكر:
- علي أن أتأكد إن كان مثل هذا الراعي موجوداً حقاً.
حمل العابد زوادة طعامه وعصاه وعباءته، وخرج يبحث عن ذلك الراعي، ويسأل من يصادفه في الطريق عنه، كان يتخيله مثلما يصف إنساناً عاش معه طويلاً.
وذات يوم أقبل على كوخ منعزل في واد قاحل بين تلتين، فاستقبلته امرأة، وفرشت له في مكان الضيوف من البيت، ولما طلب ماء ليتؤضأ، اعتذرت المرأة وقالت:
- ليس لدينا الآن إلا ماء قليل للشرب.
فتيمم العابد صعيداً طيباً، وقال للمرأة:
- حان وقت صلاة الظهر، وسأصلي أنا...

فابتعدت المرأة إلى داخل البيت، لكنها لم تغب إلا قليلاً، ثم عادت، فتعجب العابد من سرعة أدائها لصلاتها إن كانت قد صلت، واستمر العابد يصلي والمرأة تختلس النظر إليه مدهوشة من طول قيامه وسجوده في صلاته، ومن الكلام الكثير الذي كان يتمتم به في صلاته.

وعند المساء خرجت المرأة تستقبل زوجها العائد من قطيعة، ورآه العابد وتعجب كثيراً، لقد كان الراعي نفسه الذي رآه في الحلم، وارتاح العابد، فقد وصل إلى غايته، وسيرى كيف سيصلي هذا الرجل؟ وبماذا يعبد ربه حتى استحق الجنة جزاء؟! ، هذا الراعي الذي لابد أن تكون صلاته متصلة ربما الليل بطوله، وكيف يعبد ربه تعالى؟، وماذا يفعل في عبادته تلك؟

حان وقت صلاة المغرب، فأسرع الرجل يصلي قرب العابد، لكنه لم يبد عليه أنه وعى وانتبه لما كان يقوله، فلم يكد ينوي ويتوجه ويقعد ويقوم عدة مرات سريعاً، حتى أنهى صلاته، عندها مسح وجهه بكفيه، وصلى على النبي محمد صلى الله عليه وسلم عدة مرات، وجلس ينتظر انتهاء العابد من صلاته التي رآها طالت كثيراً..

أما العابد فتعجب كثيرا، فأية صلاة هذه التي صلاها هذا الراعي؟ وزاد هذا الأمر من رغبته في معرفة سر رضا الله عنه.

أمضى العابد ثلاثة أيام ضيفاً على الرجل وزوجته، لكنه لم ير أو يسمع منه غير حمده الدائم لله، وشكره على كل شيء، وغير تلك الصلاة السريعة، فحار في أمره.

وقبل أن يغادر العابد بيت الراعي أيقن أنه لا يعطي صلاته حقها، وليست له عبادة أخرى، حتى إنه لا يعرف من القرآن الكريم أكثر من قصار السور يؤدي بها الصلاة، فدنا منه وسأله:
- أرجوك أخبرني: ماذا فعلت حتى استحققت رضا الله سبحانه وتعالى؟

وقص عليه ما كان قد رآه في رؤياه.
ضحك الرجل بقوة، وقال:
-لم أفعل شيئاً، لكنني بعد أن أخبرتني الآن، سأهتم أكثر بصلاتي وعبادتي، وسأعبد الله مثلما تعبده أنت.
رد العابد في حيرة:
اسمع.. لقد رأيتك في المنام، وأنت من أهل الجنة، فأرجوك أخبرني ماذا فعلت في حياتك؟ وكيف استحققت رضا الله سبحانه وتعالى عنك؟ وعن أي عمل أثابك الله الجنة؟ فأنت لا تزيد في صلاتك عن أي مصل في أي مكان.

أطرق الراعي يفكر، وبدا كأنه يتذكر شيئاً الآن، ثم أخذ يتمتم به لنفسه، ثم رفع رأسه باهتمام وقال:
اسمع أيها العابد.. قبل شهر كنت أسعى تائهاً في صحراء لا نبت فيها ولا ماء، وكنت عطشاً جدا، حتى أنني أخذت أدور في المكان، وأسعى راكضاً وراء السراب، وأنا أدعو الله أن أعثر على ماء، وإلا فإنني سأموت عطشاً وتدفنني الرمال.

وفي هذه الأثناء سمعت صوت لهاث، فأسرعت إليه، ورأيت كلباً يقف عند فوهة بئر، كان يحوم عليه ويدور حوله، وعطشه يحرق أمعاءه، لكنه لا يقدر أن يصل إلى الماء في داخل البئر، فرق قلبي له، وعطفت عليه، فأسرعت إلى البئر، وأمسكت طرف عباءتي، وأنزلتها إلى قاع البئر، حتى إذا ابتلت وتشبعت بالماء، رفعتها وعصرتها في فم الكلب، وظللت أعيد هذا العمل حتى ارتوي الكلب وأقعى إلى جانبي، ثم أخذت الماء بالطريقة نفسها حتى ارتويت، وأسرعت أبتعد، لكن الكلب لم يبتعد عني، لقد لازمني، وها هو ذا يلتصق بي، ويخرج معي كل يوم ولا يفارقني إلا حين أذهب للنوم.

وعجب العابد مما سمع وقال:
- سبحان الله العظيم.. حقاً إن عمل الخير بصدق وإخلاص.. خير وأفضل عند الله من عبادة أعوام.

الحذاء والدبور
في كل صباح مدرسي، وكما هي العادة.. يبحث وسام عن حذائه، مرة في سطح الدار ومرة تحت الطباخ، ومرة قرب الباب الخارجي، ومرة.. لا أدري أين.. ومع البحث صياح وتذمر وشكوى، ونصيحة من الأم بأن يضع حذاءه في المكان المناسب.

وذات صباح بحث وسام هنا وهناك فوجد حذاءه بين شجيرات الورد في الحديقة، وحالما هم بدس قدميه فيه خرج منه دبور وكاد يلسعه فارتعب وسام.
وبعد أن هدأ قرر البدء بعادة جيدة.

فهل سيفعل ؟!!

الصياد الصغير

ارتفع صوت محرك قارب الصيد القديم في وسط مياه البحر الزرقاء، وألقى الصيادون شباكهم فخرجت محملة بعدد كبير من الأسماك الجميلة والغريبة الشكل، فتعجب الصغير أحمد بن الشيخ حسن كبير الصيادين وحدث والده قائلاً:


الم الامارات مكتبة القصص sayad-feras.jpg
- هل تعرف أسماء هذه الأسماك يا ولدي؟
ضحك الحاج حسن وهو يقول:
نعم يا بني أعرفها كما أعرفك، وأنت أيضاً قريباً ستعرف كل شيء عنها عندما تكبر، لأنك ستصبح صاحب هذه المركب من بعدي، ويجب أن تتعلم كل شيء عن الأسماء من الآن..

ابتسم أحمد من حديث والده الذي أمسك أحد الأسماك الكبيرة وهو يقول:
- انظر يا أحمد إن تلك السمكة اسمها سمكة أبو سيف، وهي كبيرة الحجم كما ترى، وستجد في البحر أحجام كبيرة جداً منها، وهذه السمكة هي في الحقيقة سمكة عادية جداً كأي سمكة أخرى، ولكن نمت عظمة فوق شفتها العليا وأصبحت كالسيف، وهذه العظمة تساعدها في السباحة وفي صد الأعداء عنها.

فأشار أحمد إلى سمكة أخرى قائلاً:
- وهذه ما هي ؟!
نظر الحاج حسن تجاه السمكة وهو يقول:
- إن تلك السمكة ذات الأسنان الحادة هي سمكة القرش وهي من الأسماك التي يخشاها الصيادون لأنها تدمر الشباك وتأكل معظم الأسماك الموجودة بالشبكة ولكنها الحمد لله لم تفعل ذلك في شبكتنا اليوم، وسمكة القرش هذه عدة أنواع، فمنها ما هو كبير الحجم جداً ويصل طوله أكثر من عشرة أمتار ويسمى القرش النمر.. وسبحان الله بالرغم من ضخامته تلك إلا أنه لا يأكل اللحوم، ويتغذى على الطحالب، وهناك أنواع أخرى من سمك القرش صغيرة جداً تصل إلى ربع متر وعلى الأكثر نصف متر..

وتعيش في قاع البحر حيث تدفن جسمها في الرمال وتلتهم أي سمكة تقترب منها..
ويوجد بالبحر أكبر مخلوق على سطح الكرة الأرضية وهو الحوت الأزرق..

تعجب أحمد وهو يقول:
كيف ذلك يا والدي إنني رأيت الفيل ولا أتخيل أن هناك مخلوقاً أكبر منه!!
تبسم الحاج حسن وهو يقول:
- إن حوتاً واحداً من الحيتان الزرقاء يزن حوالي عشرة أفيال مجتمعة..
- ويوجد في البحر حيوان الدولفين وهو صديق للإنسان فهو ينقذه إذا ما أشرف على الغرق، ويظل يسبح به إلى أن يخرجه إلى الشاطئ.. فسبحان الله...

تكلم أحمد بصوت عالٍ قائلاً:
- انظر يا أبي هناك عنكبوت كبير في الشبكة ضحك الحاج حسن من كلام ابنه، وزبت على كتفه، وهو يقول:
- يا صغيري إن ما تراه هو الإخطبوط وهو نوع من أنواع الأسماك أيضاً ولكن لا يمتلك هيكلاً عظيماً، وبالتالي تجده رخواً وليس له شكل محدد...

نظر الحاج حسن إلى ولده وهو يقول:
- أتدري يا صغيري أن أم الإخطبوط تستحق أن تنال جائزة في عيد الأم..؟!
تبسم أحمد وهو يقول:
كيف ذلك يا أبي؟!
- إن أنثى الإخطبوط عندما تضع بيضها لا تخرجه من جسدها كباقي الأسماك ذلك لأنها لا تخشى أن يموت صغارها، ولكنها تحتفظ بالبيض في بطنها، وبالطبع تخشى أن تأكل حتى لا تلوث البيض.. فتظل صائمة عن الطعام مدة طويلة حتى يفقس البيض وتخرج الصغار وبالطبع تكون الأم قد تعبت كثيراً، وفي النهاية فإنها تموت..

تعجب أحمد وقال:
- سبحان الله يا لها من تضحية فعلاً.. حقاً يجب أن يتعلم الإنسان من الأسماك ومن كل شيء




الملك والبخيل
في زمن قديم، عاش رجل بخيل، ومن فرط بخله، كان دائم التفكير في وسيلة يحصل بها على المال، أو وسيلة تبعد عنه أي أحد يطلب منه ولو قليلاً من المال..

ولشدة بخله، طاف القرى قرية قرية، حتى وجد قرية كل سكانها كرماء، فحل بينهم، متظاهراً بأنه فقير شديد الفقر، فكان محط شفقتهم وعطفهم، وصاروا يعطونه دائماً ويتصدقون عليه، حتى إنه كان يأكل ويشرب ويحصل على ملابسه منهم.

وذات صباح رأى الناس شيئاً غريباً، فقد أغلق الرجل باب بيته المطل على سكان القرية، وفتح في بيته باباً يجعل وجهه إلى الأرض الخالية، ومع هذا فإن الناس استمروا يقدمون له ما كانوا يقدمونه.. وحين عرفوا حكايته انفجروا من الضحك، فقد حصل على عنز تعطي حليباً كثيراً، فخاف أن يسأله أحد شيئاً من حليب عنزته، فابتعد بباب بيته عنهم.

وعلى الرغم من أن بعض الناس تناقلوا بينهم، أنه غني شديد الغنى، حفر كل أرض كوخه وأودع دنانيره الفضية والذهبية هناك، غير أن الناس كانوا يبتسمون مشفقين، واستمروا يعطونه وهم يرثون لحاله.

وفي أحد الأيام كان أحد الفرسان تائهاً، جائعاً جداً وعطشاً، فلما أقبل على تلك القرية، كان متلهفاً للوصول إليها، وقد أسرع إلى أقرب بيت كان بابه إلى البرية، وعندما وصل إليه، أراد أن يترجل ليطلب حاجته من صاحبه، الذي كان الرجل البخيل نفسه، رآه البخيل فأسرع إليه يصيح به:

- لا تترجل يا رجل.. فليس في بيتي شيء أعطيه لك. لا طعام ولا شراب ولا حتى أعواد القش.
صُدم الفارس، وبأن الألم والتعب الشديد في وجهه، ولأنه يكاد يهلك، فإنه لم يفتح فمه ولم يكلمه، بل لوى عنق فرسه ودخل القرية.. ووقف أمام أحد البيوت، وفوجئ تماماً بما حصل..

فقد خرج صاحب البيت وأهله يرحبون بالفارس أيما ترحيب، وأسرعوا ليساعدوه على النزول عن فرسه، وربطوا فرسه، وجلبوا له الماء الذي شرب منه فرسه، والماء الذي غسل به وجهه ويديه، وقدموا له الطعام والشراب، وتركوه يستريح وينام من دون أن يسألوه سؤالاً واحداً.

وحين استيقظ مستريحاً، شبعان مرتوياً، سألهم عن جهة المدينة الكبيرة، فأرشدوه، ومن لحظته ركب فرسه وانطلق، وهو متعجب كثيراً.. إنهم حتى اللحظة لم يسألوه من هو؟ ولماذا كان على تلك الحال؟ وكيف وصل؟
بعد أيام دهشت القرية بكاملها، وخرجوا جميعاً ينظرون إلى ذلك الفارس الذي حضرت معه كوكبة من الفرسان كأنه جيش، وهم يسوقون معهم الخيل والحمير المحملة بخيرات كثيرة، وتوقفوا جميعاً عند باب.. أسرع صاحبه من بين الجميع يستقبله، فقد عرف من ذلك الفارس الذي جاء بيتهم متعباً جائعاً عطشاً.. إنه الملك صاحب البيت عمل وليمة كبيرة دعا إليها جميع أهل القرية. وبعد أن شكر صاحب البيت الملك، أقبل الملك عليه وهو يشكره ويعترف بفضله، وحين علم أن جميع أهل القرية مثله، أقبل عليهم واحداً واحداً.. وهو يقول:
الحمد لله أن في مملكتي أناساً مثلكم ومثل كرمكم..

وفي هذه اللحظة .. بعد أن أكل الناس، وامتلأوا فرحاً وسروراً، سمع الملك والجميع أصوات بكاء وضرب، وسرعان ما عرفوا به بكاء الرجل البخيل، فأرسل الملك يطلبه إليه، وسريعاً عرفه.. وسأله:
- ما بك يا رجل؟
ولم يتكلم.. إلا أن امرأة تقربت من الملك وأجابته وهي ضاحكة:
- يقول: إن هذه الهدايا كلها أمواله.. إنها ملكه هو، تناهبها الناس.

وسأله الملك:
كيف تكون كل هذه الهدايا التي جلبتها أنا معي ملكاً لك؟
فأجاب من بين دموعه:
إنها أموالي، ضيعتها أنا بيدي، لقلة معرفتي وحيلتي..

وسأله:
- كيف يا رجل؟
فأجابه البخيل:
ألم تقصد بيتي أولاً؟.. ألم تحاول أن تنزل ضيفاً عندي؟.. لكني.. آه يا ويلتي..يا ويلتي
فضحك الملك حتى شبع ضحكاً، وضحك الذين معه وأهل القرية كلهم.. ومن بين ضحكه الكثير سألهم الملك:
- عجيب!.. كيف يعيش مثل هذا البخيل في قريتكم..؟

فرد البخيل:
- أحسن عيشة يا سيدي.. فهم يعطون ولا يسألون أو يأخذون..
وانفجر الجميع بالضحك من جديد.. وانفجر البخيل بالبكاء، لكن صوت بكائه ضاع وسط ضحكهم الكثير..