قصص خرافية



هذه قصة اشبه بالخيال منها بالحقيقة .. ولو حدثني بها احد لاكثرت عليه واكثرت الاستيثاق منه .
فقد كنت اجلس في مكتبي بعد ان فرغت من صلاة العشاء الاخرة في احدى الليالي الطويلة من شتاء ( يوجين ) الطويل في شمال غربي القارة الامريكية بالولايات المتحدة في شهر شوال من عام 1419ه .
وفي مدينة ( يوجين ) حيث كنت طالبا في جامعة ( اوريجن ) امسيت مستغرقا للدرس ، وبينا انا كذلك والهدوء مخيم والصمت مطبق لا يقطعه الا صوت ابنتي الصغيرة وهي تلعب .. والا صوت زخات المطر المتقطع وان كنت استانس بذلك كله ويبعث في روحا من النشاط جديدة .
وبينما انا كذلك اذا برنين الهاتف يتسلل بين تلك اللحظات الساكنة ؛ وها هو اخ لي في الله جزائري اسمه ( شكيب ) .
وبعد التحية والسلام .. اخبرني بحادثة جد غريبة .. وسعيدة في ان واحد !! فقد كان لزوجته الامريكية المسلمة ( كريمة ) خالة على ديانة الصليب والتثليث ، وقد اخذت الخالة تلك الى مستشفى سيكرت هارت الذي يبعد عن منزلي مسير ثلاث دقائق وبعد تشخيص حالتها لم يستطع الاطباء اخفاء الحقيقة .. فالمراة ميئوس من حياتها .. وانها مفارقة لا محالة .. والامر ساعة او ساعتان او اكثر او اقل والعلم عند الله وحده .
ثم ذكر لي ما جرى له ولزوجته وانا في ذهول تام استمع الى نبرات صوته يتهدج وكاني احس بنبضات قلبه وحشرجته تعتري صوته بين الحين والاخر ، وقد قال لي بالحرف الواحد .
تحدثت مع زوجتي في حال خالتها ، وتشاورنا في اجراء محاولة اخيرة ندعوها فيها الى الاسلام ولو بقي في عمرها ساعة ما دامت لم تغرغر الروح .
قال صاحبي : فاستعنت بالله ، وصليت ركعتين ، ودعوت الله عز وجل لها بالهداية وانا في السجود ، وان يشرح صدرها لدين الهدى والحق .. وذلك لعلمي ان العبد اقرب ما يكون الى ربه وهو ساجد .
ثم اتجهت كريمة اليها في المستشفى وعرضت عليها الاسلام واخبرتها ان الاسلام يجب ما قبله ، وان الله يغفر لها ما قد سلف من عمرها ان هي قالت : ( اشهد ان لا اله الا الله واشهد ان محمدا رسول الله ) خالصة من قلبها . غير ان تلك المراة المريضة قد فقدت القدرة على الكلام ، فطلبت زوجة صاحبي بفطانة وحسن تصرف من خالتها المريضة ان تنطق بالشهادتين في نفسها اذ كانت عاجزة عن النطق بلسانها ، وانها ان فعلت ترفع يدها اشارة لذلك .
وبعد ان اوضحت لها معناها بالانجليزية قالت لها : قولي بقلبك : اشهد ان لا اله الا الله ، واشهد ان محمدا رسول الله . ثم كانت لحظات حرجة على كريمة ؛ فكم تتمنى لخالتها النجاة من نار وقودها الناس والحجارة ، ومع دقات قلب متسارعة مرت ثوان بطيئة متثاقلة لا يشبه تثاقلها الا حركة يد المراة المريضة التي بدات ترفع يدها بعد ان سمعت تلقين الشهادة اكثر مما كانت تستطيع ان ترفعها من قبل ، وتبسمت معلنة رضاها واختيارها وقبولها دين الاسلام .
فما كان من ( كريمة ) وهي في قمة الفرحة والسرور الا ان بدات تبشرها وتقرا عليها سورة يس .. بينما ظلت ترتسم على محيا تلك المراة ابتسامة سرور بسماع القران اعلانا منها برضاها التام بما تسمع من ايات الذكر الحكيم .
واذا بالممرضة الامريكية التي كانت تتابع ما يحدث دون ان يشعر بها احد تتقدم لتعرض تبرعها بان تكون شاهدا رسميا على اسلام خالة كريمة ان احتيج الى ذلك .
انطقها الله الذي انطق كل شيء .
لا اله الا الله ! ! وها هو صديقي شكيب يسالني عما يجب علينا تجاه هذه المراة التي ما زال لها عرق ينبض ونفس يجري .
اجبته : انها اخت لنا في الاسلام لما ظهر لنا من شانها ، ونكل سريرتها الى الله عز وجل . قلت له ذلك وانا في غاية الذهول ، وقلبي يخفق فرحا لاسلام هذه المراة وهي في مراحل متقدمة من المرض وقد ايس الاطباء من شفائها .
وذكرت اخي قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه الذي رواه ابن مسعود رضي الله عنه ، قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق :
(( ان احدكم يجمع خلقه في بطن امه في اربعين يوما ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل الله اليه الملك فينفخ فيه الروح ويومر باربع : يكتب رزقه واجله وعمله وشقي او سعيد ؛ فو الله الذي لا اله غيره ان احدكم ليعمل بعمل اهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها الا ذراع ثم يسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل اهل النار فيدخلها ، وان احدكم ليعمل بعمل اهل النار حتى ما يكون بينه وبينها الا ذراع ثم يسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل اهل الجنة فيدخلها )).
ثم وضعت سماعة الهاتف .. اطرقت لحظة ، وضعت كفي على خدي ؛ فما شعرت بنفسي الا وانا اجهش بالبكاء تاثرا واستبشارا ، وكذلك كان حال من حولي عندما رويت لهم القصة تلك الليلة وكانت لحظات معطرات بالخشوع والدموع حامدين فيها لله تعالى ، مهللين له ومسبحين لما تفضل به على هذه المراة من الهداية .. اما صاحبي فقد اخبرني عندما التقيت به في المسجد فيما بعد انه كلما ارتسمت في خياله صورة هذا الموقف ، غلب عليه شعور غريب من الدهشة واحس في جسده بقشعريرة ، ثم لا يجد في نفسه الا مزيدا من الرغبة في الصلاة وطول السجود والمكث في المسجد .
مهلا ؛ فالحكاية لم تنته بعد .. ففي الليلة نفسها التي اسلمت فيها هذه المراة وما مضت ساعات على محادثتي معه وعندما هاتفت صاحبي لاخبره بان عليها ان تصلي المغرب والعشاء على ما يتيسر لها ولو ايماء ؛ واذا به يخبرني بان الاجل المحتوم قد سبق الجميع اليها ، اسلمت روحها لباريها مسلمة هكذا نحسبها والله حسيبها راضية بالله ربا ، وبالاسلام دينا ، وبمحمد نبيا ورسولا ؛ وما صلت لله صلاة واحدة .
فاللهم بحق الاسلام واخوته نسالك ان ترحمها وان تتقبلها باحسن القبول .
اللهم انا نسالك حسن الخاتمة .. يا ارحم الراحمين