مختصر لمسائل كتاب الروح لابن القيم رحمه الله



الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين ، نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين.
اما بعد : فهذا مختصر لطيف للمسائل التي اجاب عنها العلامة ابن القيم رحمه الله في كتاب ( الروح) مع اجوبتها ، مقتصرا في ذلك على ذكر الجواب الصحيح. دون التعرض لنقل الخلافيات والادلة المتشعبة ؛ لكي يسهل استحضارها لطلاب العلم ، ولعامة المسلمين. واسال الله ان ينفع بها كاتبها وقارئها … وصلى الله على نبينا محمد.
المسالة الاولى : هل تعرف الاموات بزيارة الاحياء وسلامهم عليهم ام لا ؟
الجواب : قال r : " ما من مسلم يمر بقبر اخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه ، الا رد الله عليه روحه ، حتى يرد عليه السلام" فهذا نص في انه يعرفه بعينه ويرد عليه السلام.
وقد شرع النبي r لامته اذا سلموا على اهل القبور ان يسلموا عليهم سلام من يخاطبونه فيقول المسلم : " السلام عليكم دار قوم مومنين" وقد تواترت الاثار عن السلف بان الميت يعرف زيارة الحي له ، ويستبشر به. ويكفي في هذا تسمية المسلم عليه زائرا ، ولولا انهم يشعرون به لما صح تسميته زائرا ، فان المزور اذا لم يعلم بزيارة من زاره لم يصح ان يقال : زاره ، هذا هو المعقول من الزيارة عند جميع الامم. وكذلك السلام عليهم ايضا ، فان السلام على من لا يشعر ولا يعلم بالمسلم محال ، وقد ثبت في الصحيح ان الميت يستانس بالمشيعين لجنازته بعد دفنه.
المسالة الثانية: وهي ان ارواح الموتى هل تتلاقى وتتزاور وتتذاكر ام لا ؟
الجواب: الارواح قسمان :
1- ارواح معذبة والعياذ بالله ، فهي في شغل بما هي فيه من العذاب عن التزاور والتلاقي.
2- ارواح منعمة ، وهي مرسلة غير محبوسة ، تتلاقى وتتزاور وتتذاكر ما كان منها في الدنيا ، وما يكون من اهل الدنيا. فتكون كل روح مع رفيقها الذي هو على مثل عملها ، وروح نبينا r في الرفيق الاعلى. قال الله﴿ومن يطع الله والرسول فاولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا﴾.وهذه المعية ثابتة في الدنيا وفي دار البرزخ وفي دار الجزاء. وقال تعالى﴿يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي﴾ اي ادخلي في جملتهم وكوني معهم. وهذا يقال للروح عند الموت. وقد اخبر الله تعالى عن الشهداء بانهم ﴿ احياء عند ربهم يرزقون﴾ وانهم ﴿يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم﴾ وانهم ﴿ يستبشرون بنعمة من الله وفضل﴾.
وهذا يدل على تلاقيهم من ثلاثة اوجه :

1. انهم ( احياء ) والاحياء يتلاقون.
2. انهم انما يستبشرون باخوانهم لقدومهم عليهم ولقائهم لهم.
3. ان لفظ ( يستبشرون) يفيد انهم يبشر بعضهم بعضا.
المسالة الثالثة: وهي هل تتلاقى ارواح الاحياء وارواح الاموات ام لا ؟
الجواب:نعم،تلتقي ارواح الاحياء والاموات ،كما تلتقي ارواح الاحياء قال تعالى:﴿ الله يتوفى الانفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الاخرى الى اجل مسمى ان في ذلك لايات لقوم يتفكرون﴾. عن ابن عباس في تفسير الاية : بلغني ان ارواح الاحياء والاموات تلتقي في المنام، فيتساءلون بينهم ، فيمسك الله ارواح الموتى ويرسل ارواح الاحياء الى اجسادها. وقد دل على التقاء ارواح الاحياء والاموات ان الحي يرى الميت في منامه فيستخبره ، ويخبره الميت بما لا يعلمه الحي ، فيصادف خبره كما اخبر في الماضي والمستقبل.
وفي هذا حكايات متواترة. وهذا الامر لا ينكره الا من هو اجهل الناس بالارواح واحكامها وشانها.
المسالة الرابعة: وهي ان الروح هل تموت ام يموت البدن وحده ؟
الجواب: ان يقال : موت النفوس هو مفارقتها لاجسادها وخروجها منها، فان اريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت بلا شك ، وان اريد انها تعدم وتضمحل وتصير عدما محضا ، فهي لا تموت بهذا الاعتبار ، بل هي باقية بعد خروجها من البدن في نعيم او في عذاب.
المسالة الخامسة: كيف تتعارف الارواح بعد مفارقة الابدان ؟
الجواب: انها بعد مفارقتها الجسد تاخذ من بدنها صورة تتميز بها عن غيرها ، فانها تتاثر ، وتنتقل عن البدن ، كما يتاثر البدن وينتقل عنها ، فيكتسب البدن الطيب والخبث من طيب النفس وخبثها ، وتكتسب النفس الطيب والخبث من طيب البدن وخبثه.
المسالة السادسة: وهي : ان الروح هل تعاد الى الميت في قبره وقت السوال ام لا تعاد؟
الجواب: قد جاء في الحديث الصحيح: قال البراء بن عازب: ( كنا في جنازة في بقيع الغرقد ، فاتانا النبي r فقعد ، وقعدنا حوله كان على رووسنا الطير ، وهو يلحد له ، فقال: " اعوذ بالله من عذاب القبر" – ثلاث مرات – ثم قال: " ان العبد المومن اذا كان في اقبال من الاخرة ، وانقطاع من الدنيا نزلت اليه ملائكة ، كان وجوههم الشمس ، فيجلسون منه مد البصر ، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند راسه فيقول: ايتها النفس الطيبة ، اخرجي الى مغفرة من الله ورضوان.
قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء ، فياخذها ، فاذا اخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى ياخذوها ، فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كاطيب نفحة مسك وجدت على وجه الارض.
قال: فيصعدون بها فلا يمرون بها – يعني على ملا من الملائكة – الا قالوا: ما هذا الروح الطيب ؟ فيقولون: فلان بن فلان ، باحسن اسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا ، حتى ينتهوا بها الى السماء الدنيا ، فيستفتحون له ، فيفتح له ، فيشيعه من كل سماء مقربوها الى السماء التي تليها ، حتى ينتهى بها الى السماء التي فيها الله تعالى ، فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين ، واعيدوه الى الارض ، فاني منها خلقتهم ، وفيها اعيدهم ، ومنها اخرجهم تارة اخرى.
قال: فتعاد روحه في جسده ، فياتيه ملكان فيجلسانه ، فيقولان له من ربك ؟ فيقول : ربي الله ؛ فيقولان له: ما دينك ؟ فيقول: ديني الاسلام ، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فيقول رسول الله r ، فيقولان له: وما علمك ؟ فيقول: قرات كتاب الله ، فامنت به ، وصدقت ، فينادي مناد من السماء: ان صدق عبدي فافرشوه من الجنة ، وافتحوا له بابا من الجنة ؛ قال: فياتيه من ريحها وطيبها ، ويفسح له في قبره مد بصره.
قال: وياتيه رجل حسن الوجه ، حسن الثياب ، طيب الريح ، فيقول: ابشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد ، فيقول له: من انت ؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير ، فيقول: انا عملك الصالح ، فيقول: رب اقم الساعة حتى ارجع الى اهلي ومالي.
قال: وان العبد الكافر اذا كان في اقبال من الدنيا وانقطاع من الاخرة ، نزل اليه من السماء ملائكة سود الوجه ، معهم المسوح ، فيجلسون منه مد البصر ، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند راسه فيقول: ايتها النفس الخبيثة ، اخرجي الى سخط من الله وغضب.
قال: فتتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول ، فياخذها ، فاذا اخذها لم يدعوها في يده طرفة عين ، حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كانتن ريح جيفة وجدت على وجه الارض ، فيصعدون بها ، فلا يمرون بها على ملا من الملائكة الا قالوا: ما هذا الريح الخبيث ؟ فيقولون: فلان بن فلان ، باقبح اسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا ، حتى ينتهى به الى السماء الدنيا، فيستفتح له فلا يفتح.
ثم قرا رسول الله r: ﴿لا تفتح لهم ابواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ (الاعراف: 40) فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين في الارض السفلى ، فتطرح روحه طرحا ، ثم قرا: ﴿ ومن يشرك بالله فكانما خر من السماء فتخطفه الطير او تهوي به الريح في مكان سحيق﴾ (الحج: 31).
فتعاد روحه في جسده ، وياتيه ملكان فيجلسانه ، فيقولان له: من ربك ؟ فيقول: هاه هاه لا ادري ، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فيقول هاه هاه لا ادري ، " سمعت الناس يقولون شيئا فقلته " فينادي مناد من السماء: ان كذب عبدي فافرشوه من النار ، وافتحوا له بابا الى النار ، فياته من حرها وسمومها ، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه اضلاعه. وياتيه رجل قبيح الوجه ، قبيح الثياب ، منتن الريح ، فيقول: ابشر بالذي يسووك ، هذا يومك الذي كنت توعد ، فيقول: من انت ؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر ، فيقول: انا عملك الخبيث فيقول: رب لا تقم الساعة )رواه الامام احمد وابو داود ، وروى النسائي وابن ماجة اوله ، ورواه ابو عوانة الاسفراييني في صحيحه.وذهب الى القول بموجب هذا الحديث جميع اهل السنة والحديث من سائر الطوائف.
المسالة السابعة: هل عذاب القبر يكون على النفس ؟ او على البدن ؟ او على النفس دون البدن؟ او على البدن دون النفس ؟ وهل يشارك البدن النفس في النعيم والعذاب ام لا؟
الجواب: مذهب سلف الامة وائمتها ان الميت اذا مات يكون في نعيم او عذاب ، وان ذلك يحصل لروحه وبدنه ، وان الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة او معذبة ، وانها تتصل بالبدن احيانا ، ويحصل له معها النعيم او العذاب. ثم اذا كان يوم القيامة اعيدت الارواح الى الاجساد،وقاموا من قبورهم لرب العالمين. وعذاب القبر ثابت بالكتاب والسنة ، ومن كان مستحقا له ناله نصيبه من العذاب سواء قبر او لم يقبر،فسواء اكلته السباع او احرق حتى صار رمادا ونسف في الهواء ، او صلب ،او غرق في البحر،وصل الى روحه وبدنه من العذاب ما يصل الى القبور،بقدرة الله عز وجل.
المسالة الثامنة: وهي : ما الحكمة في كون عذاب القبر لم يذكر في القران مع شدة الحاجة الى معرفته والايمان به ليحذر ويتقى ؟
الجواب : مجمل ومفصل :
الجواب المجمل: هو ان الله انزل على رسوله r وحيين ، واوجب على عباده الايمان بهما والعمل بما فيهما،وهما الكتاب والحكمة. قال تعالى﴿وانزل الله عليك الكتاب والحكمة﴾والكتاب هو القران،والحكمة هي السنة باتفاق السلف.فما اخبر به الرسول r يجب تصديقه والايمان به.
اما الجواب المفصل : فهو ان عذاب القبر مذكور في القران في عدة ايات ؛ منها:
1- قوله تعالى :﴿ولو ترى اذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو ايديهم اخرجوا انفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن اياته تستكبرون﴾وعذاب الهون هو عذاب القبر ، قبل العذاب العظيم في النار.
2- قوله تعالى عن ال فرعون :﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة ادخلوا ال فرعون اشد العذاب﴾ .
المسالة التاسعة :وهي :ما الاسباب التي يعذب بها اصحاب القبور؟
الجواب : مجمل ومفصل
الجواب المجمل : انه يعذبون على جهلهم بالله واضاعتهم لامره وارتكابهم لمعاصيه.
والجواب المفصل : ان الرسول r قد اخبر عن اناس بانهم يعذبون في القبر ، منهم على سبيل المثال:
1- النمام.
2- الذي لا يستبرئ من بوله.
3- الكذاب .
4- الزناة.
5- اكل الربا.
وغيرهم كثير … اعاذنا الله واياكم من عذاب القبر.
المسالة العاشرة: ما هي الاسباب المنجية من عذاب القبر؟
الجواب : مجمل ومفصل
الجواب المجمل: تجنب تلك الاسباب التي تقتضي عذاب القبر، ومن انفعها ان يتوب الانسان توبة نصوحا، ويحاسب نفسه.
الجواب المفصل: ما ورد في احاديث كثيرة صحيحة ، منها:
1- الرباط في سبيل الله.
2- الشهادة في سبيل الله.
3- قراءة سورة ( تبارك).
4- الموت في ليلة الجمعة او يومها.
المسالة الحادية عشرة :وهي : ان السوال في القبر هل هو عام في حق المسلمين والمنافقين والكفار ، او يختص بالمسلم والمنافق؟
الجواب : ان السوال يكون للجميع ، فقد جاء في حديث البراء رضي الله عنه " فاذا كان كافرا جاءه ملك الموت فجلس عند راسه .. فذكر الحديث وفيه وياتيه ملكان شديدا الانتهار ، فيجلسانه وينتهرانه ، فيقولان : من ربك؟ …الحديث" وقد اخبر الله تعالى في كتابه انه يسال الكفار يوم القيامة ، قال سبحانه ﴿ويوم يناديهم فيقول ماذا اجبتم المرسلين﴾وقال ﴿فوربك لنسالنهم اجمعين عما كانوا يعملون﴾ فاذا سئلوا يوم القيامة فكيف لا يسالون في قبورهم؟
المسالة الثانية عشرة : وهي ان سوال منكر ونكير هل هو مختص بهذه الامة او يكون لها ولغيرها؟
الجواب: والله اعلم ان كل امة من الامم تسال عن نبيها ، وانهم معذبون في قبورهم بعد السوال لهم واقامة الحجة عليهم ، كما يعذبون في الاخرة بعد السوال واقامة الحجة.
المسالة الثالثة عشرة: وهي ان الاطفال هل يمتحنون في قبورهم؟
الجواب: انهم لا يمتحنون ، لان السوال يكون لمن عقل الرسول والمرسل ، فيسال: هل امن بالرسول واطاعه ، ام لا؟ فاما الطفل الذي لا تمييز له فكيف يسال هذا السوال؟‍‍
واما حديث ابي هريرة رضي الله عنه: انه r صلى على جنازة صبي فسمع من دعائه: "اللهم قه عذاب القبر" رواه مالك ، فليس المراد بعذاب القبر فيه عقوبة الطفل على ترك طاعة او فعل معصية قطعا؟ فان الله لا يعذب احدا بلا ذنب عمله ، بل عذاب القبر قد يراد به الالم الذي يحصل للميت بسبب غيره ، وان لم يكن عقوبة على عمل عمله.
ومنه قوله r: "ان الميت ليعذب ببكاء اهله عليه". اي يتالم بذلك ويتوجع منه لا انه يعاقب بذنب الحي ﴿ولا تزر وازرة وزر اخرى﴾.
وهذا كقوله r: "السفر قطعة من العذاب" ، فالعذاب اعم من العقوبة. ولا ريب ان في القبر من الالام والهموم والحسرات ما قد يسري اثره الى الطفل فيتالم به، فيشرع للمصلي عليه ان يسال الله تعالى ان يقيه ذلك العذاب ، والله اعلم.
المسالة الرابعة عشرة: وهي: هل عذاب القبر دائم او منقطع؟
الجواب: ان عذاب القبر نوعان:
1- نوع دائم: يدل عليه قوله تعالى: ﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيا﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم في الذي يعذب: "فهو يفعل به ذلك الى يوم القيامة" رواه البخاري. وقوله r في قصة الجريدتين اللتين وضعهما على قبري من يعذبان: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا" فجعل التخفيف مقيدا بمدة رطوبتها فقط. فالاصل ان عذابهما دائم.
الا انه قد رويت بعض الاحاديث تفيد ان العذاب يخفف عنهم ما بين النفختين، فاذا قاموا من قبورهم قالوا: ﴿يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا﴾.
2- نوع يبقى الى مدة ثم ينقطع ، وهو عذاب بعض العصاة الذين خفت جرائمهم، فيعذب بحسب جرمه ثم يخفف عنه.
المسالة الخامسة عشرة: وهي: اين مستقر الارواح ما بين الموت الى يوم القيامة؟
الجواب: قد اختلف العلماء في هذا اختلافا كثيرا، ولكل واحد حجته، فمنهم من قال: هي في الجنة ، ومنهم من قال: هي عند باب الجنة، ومنهم من قال: هي على افنية قبورها، ومنهم من قال: هي مرسلة تذهب حيث شاءت، ومنهم من قال: هي عند الله ، ومنهم من قال: ارواح المومنين عن يمين ادم عليه السلام وارواح الكفار عن شماله.
والصواب: ان ( الارواح متفاوتة في مستقرها في البرزخ اعظم تفاوت فمنها: ارواح في اعلى عليين في الملا الاعلى وهي ارواح الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين ، وهم متفاوتون في منازلهم كما راهم النبيr في ليلة الاسراء.
ومنها: ارواح في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت وهي ارواح بعض الشهداء لا جميعهم ، بل من الشهداء من تحبس روحه عن دخول الجنة لدين عليه او على غيره ، كما في المسند ان رجلا جاء الى النبيr فقال: يا رسول الله ، ما لي ان قتلت في سبيل الله ؟ قال " الجنة " ، فلما ولى قال: ( الا الدين ، سارني به جبريل انفا).
ومنهم: من يكون محبوسا على باب الجنة كما في الحديث الاخر: ( رايت صاحبكم محبوسا على باب الجنة).
ومنهم: من يكون محبوسا في قبره ، كحديث صاحب الشملة التي غلها ثم استشهد ، فقال الناس: هنيئا له الجنة ، فقال النبيr :(والذي نفسي بيده ان الشملة التي غلها لتشتعل عليه نارا في قبره).
ومنهم: من يكون مقره باب الجنة كما في حديث ابن عباس:( الشهداء على بارق – نهر بباب الجنة – في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشية).رواه احمد.وهذا بخلاف جعفر بن ابي طالب رضي الله عنه حيث ابدله الله من يديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء.
ومنهم: من يكون محبوسا في الارض ، لم تعل روحه الى الملا الاعلى فانها كانت روحا سفلية ارضية، فان الانفس الارضية لا تجامع الانفس السماوية ، كما لا تجامعها في الدنيا، والنفس التي لم تكتسب في الدنيا معرفة ربها، ومحبته وذكره والانس به، والتقرب اليه، بل هي ارضية سفلية، لا تكون بعد المفارقة لبدنها الا هناك.
كما ان النفس العلوية التي كانت في الدنيا عاكفة على محبة الله عز وجل وذكره ، والتقرب اليه والانس به تكون بعد المفارقة مع الارواح العلوية المناسبة لها، فالمرء مع من احب في البرزخ، ويوم القيامة ، والله تعالى يزوج النفوس بعضها ببعض في البرزخ ويوم المعاد كما تقدم في الحديث ، ويجعل روحه – يعني المومن – مع النسيم الطيب؛ اي الارواح الطيبة المشاكلة، فالروح بعد المفارقة تلحق باشكالها واخواتها واصحاب عملها فتكون معهم هناك.
ومنها: ارواح تكون في تنور الزناة والزواني ، وارواح في نهر الدم تسبح فيه وتلقم الحجارة ، فليس للارواح سعيدها وشقيها مستقر واحد ، بل روح في اعلى عليين ، وروح ارضية سفلية لا تصعد عن الارض).
المسالة السادسة عشرة: وهي: هل تنتفع ارواح الموتى بشيء من سعي الاحياء ، ام لا؟
الجواب: انها تنتفع من سعي الاحياء بامرين مجمع عليهما بين اهل السنة.
احدهما: ما تسبب اليه الميت في حياته.
الثاني: دعاء المسلمين له ، واستغفارهم له ، والصدقة والحج.
اما بقية العبادات البدنية: كالصوم والصلاة وقراءة القران والذكر فقد اختلفوا في وصول ثوابها اليه. وقد اختار ابن القيم رحمه الله وصول ثواب ذلك كله للميت. وقال: "الذي اوصل ثواب الحج والصدقة والعتق هو بعينه الذي يوصل ثواب الصيام والصلاة والقراءة والاعتكاف ، وهو اسلام المهدى اليه ، وتبرع المهدي واحسانه" (ص 334).
ثم قال رحمه الله: ( وبالجملة فافضل ما يهدى الى الميت: العتق ، والصدقة، والاستغفار له، والدعاء له، والحج عنه) " ص 345 ".
المسالة السابعة عشرة: وهي: هل الروح قديمة او محدثة مخلوقة؟
الجواب: اجمعت الرسل صلوات الله وسلامه عليهم على انها محدثة مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبرة. وهذا معلوم بالاضطرار من دينهم ، وقد انطوى عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم وهي القرون المفضلة على ذلك ، من غير اختلاف بينهم ، حتى نبغت نابغة من اهل الضلال فزعمت انها قديمة غير مخلوقة!!
المسالة الثامنة عشرة: وهي: تقدم خلق الارواح على الاجساد او تاخر خلقها عنها؟
الجواب: قد اختلف العلماء في هذا:
1- فقال قوم: الارواح مخلوقة قبل الاجساد.
2- وقال اخرون: بل الاجساد مخلوقة قبل الارواح.
والصواب هو القول الثاني: وهو ان الاجساد خلقت اولا ، ثم الارواح ، ودليل هذا ان الله خلق ادم عليه السلام من تراب (ثم) نفخ فيه الروح. قال ابن القيم رحمه الله : "والقران والحديث والاثار تدل على ان الله سبحانه نفخ فيه من روحه بعد خلق جسده" (ص410).
المسالة التاسعة عشرة: وهي: حقيقة النفس.
الجواب: ان هذه من المسائل التي تكلم فيها الناس من سائر الطوائف ، واضطربت فيها اقوالهم ، وكثر فيها خطوهم ، وهدى الله اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم واهل سنته لما اختلفوا فيه من الحق باذنه ، والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم.
فالصواب ان يقال: بان الروح جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، وهي - اي الروح – جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك ، ينفذ في جوهر الاعضاء ويسري فيها سريان الماء في الورد ، وسريان الدهن في الزيتون ، والنار في الفحم. فما دامت هذه الاعضاء صالحة لقبول الاثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف بقي ذلك الجسم اللطيف مشابكا لهذه الاعضاء ، وافادها هذه الاثار من الحس والحركة الارادية. واذا فسدت هذه الاعضاء بسبب استيلاء الاخلاط الغليظة عليها ، وخرجت عن قبول تلك الاثار، فارق الروح البدن، وانفصل الى عالم الارواح.
المسالة العشرون: وهي: هل النفس والروح شيء واحد او شيئان متغايران؟
الجواب: ان النفس في القران تطلق على الذات بجملتها ، كقوله تعالى: ﴿فسلموا على انفسكم) ، وقوله: ﴿ولا تقتلوا انفسكم﴾، وقوله: ﴿يوم تات كل نفس تجادل عن نفسها﴾، وقوله: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾. وتطلق النفس على الروح وحدها ، كقوله تعالى: ﴿يا ايتها النفس المطمئنة﴾، وقوله: ﴿اخرجوا انفسكم﴾. اما (الروح) فلا تطلق على البدن، لا بانفراده ولا مع النفس. فالفرق بين النفس والروح فرق بالصفات لا فرق بالذات.
المسالة الحادية والعشرون: وهي: هل النفس واحدة ام ثلاث؟
لان الله يقول: ﴿يا ايتها النفس المطمئنة﴾ ويقول: ﴿ولا اقسم بالنفس اللوامة﴾، ويقول: ﴿ان النفس لامارة بالسوء﴾، فهي مطمئنة ، ولوامة ، وامارة.
الجواب: انها نفس واحدة ، ولكن لها صفات ، فتسمى باعتبار كل صفة باسم، فتسمى (مطمئنة) باعتبار طمانينتها لربها بعبوديته ومحبته ، وتسمى (لوامة) لانها تلوم صاحبها على التفريط ، وتسمى (امارة) لانها تامره بالسوء ، وهذا من طبيعتها الا ما وفقها الله وثبتها واعانها.
نسال الله ان يجعل نفوسنا مطمئنة ، وان يدخلنا في عباده وفي جنته ، امين
وصلى الله على نبينا محمد واله وصحبه اجمعين