like facebook

views : 3373 | replycount : 2
النتائج 1 إلى 3 من 3

قصص الرسول صلى الله عليه وسلم

ثالثاً: قصص إسلامية أ- أبو بكر الصديق والرسالة الإلكترونية 12 – عبدالله يعود من المدرسة حزيناً 13 – أمر لا يُصَدَّقُ 14 - عبدالله يخبر أباه 15 - سباق في

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    الدولة
    مصرية
    الردود
    163
    معدل تقييم المستوى
    12

    Thumbs up قصص الرسول صلى الله عليه وسلم

    ثالثاً: قصص إسلامية




    أ- أبو بكر الصديق والرسالة الإلكترونية

    12 – عبدالله يعود من المدرسة حزيناً
    13 – أمر لا يُصَدَّقُ
    14 - عبدالله يخبر أباه
    15 - سباق في الخير
    16 – حياته قبل الإسلام
    17 – الأم تقول كلاماً مهماً
    18– رجل لا يعرف أصحابه جيداً
    19 - مصاهرات بيت النبوة وأبي بكر
    20 – مدونة على الإنترنت
    21 – الخلاف مع فاطمة
    22– الصِّدِّيقُ مَنْ مِثلهُ
    23 – اللحظات الأخيرة في حياته




    12 – عبدالله يعود من المدرسة حزيناً

    سَألت الأمُّ ابْنَها العَائِدَ مِنَ المَدْرسةِ، وقد رأتْ على ملامحه سمات الحُزن.. وأماراتِ الغضب.. "مَا بِكَ يَا عَبدَالله! تبْدو مَهْمُومَاً حَزيْناً..".

    اِبتسمَ عبدُالله ابتسامة هي أقربُ للأسَى منها للرِّضا.. فهالها ما رأت في عينيَّ ابنها.. اللتين كانتا تلمعان من أثر دموع مختنقة.. ونظراتٍ حيرى..
    ضمَّتِ الأمُّ ولدَها في حنان..
    "ما هذا الأمر الجلل الذي يقلقك؟؟ هل من مشكلة؟ هل عجزت عن حلِّ مسألةٍ فأَغْضَبتَ مُدرسك؟ هل نلتَ درجة ضَعيفة؟"...
    ثمَّ اسْتدْرَكت قائلة: لا يمكن.. فأنا أعرفُك مُجْتهداً.. ولنفترضْ أنْ شيئاً من هذا حَدثَ؛ لا بأسَ عليكَ.. فسوفَ تعوّضُ تَراجعك بدرجةٍ أحسنَ مِنْها.. لا تقلق يا ولدي..
    نظرَ عبدالله في عينيِّ أمِّه.. مَسْرُوراً راضِياً.. ولكن بأسى..
    ضمَّها إلى صَدْره بقوَّةٍ كطفلٍ صَغير تاه في الطريق ثمَّ وجدَ أمّه.. وهو يخشى أنْ يفقدَها مرَّةً ثانيةً.. وردَّدَ مُطمْئِناً لها: "لا يا أمي.. لا.. لم يحدث من هذا شيء".
    زادَ جوابُ ابنِها قلبَها قلقاً.. "إذنْ ما الذي أهمّك وأغمَّك؟ هلْ منْ صَديقٍ أصَابه ضرر؟ أو مِنْ حادثٍ أصابَ أحداً تعرفُهُ.. وَهَلْ...؟؟".
    قاطعها عبدالله في أدبٍ: "لا يا أمِّي. لمْ يحدثْ من كلِّ هذا شيءٌ..".
    فقالت: "ماذا إذنْ!.. لقدْ تقطَّعَ قلبي".
    هزَّتْ هذه الكلمةُ وجْدانَ عبدالله فأنشأَ قائلاً: "سلامَةُ قلبُكِ يا أمِّي من كلِّ سوء.. بلْ أنَا مَنْ تقطَّع قلبه لِمَا سمعتُ وقرأتُ وعلمتُ".
    "ماذا؟ وما هذا الذي سمعتَه وقرأتَه وعلمتَه وسبَّب لك كل هذا السوء؟"..
    صَاحَتْ الأمُّ وقد نَفدَ صَبْرُها وارتجفَ صَوتها وأعياها القلقُ..
    ثمُّ تابعتْ:" قلْ يا حَبيبي.. مَاذا هَنَاك؟".
    أخرجَ عبدالله مِنْ جَيبه ورقة مَطويَة.. "هذه ورقة أعطاني إياها صَديقي عاصَم.. وَجدها بالأمس في بريده الالكتروني.. وقد رأيته صباحاً مغموماً أكثر مما ترينني الآن.. وَقرأتُ هذه الوَرْقةَ فكاد يُغشى عليَّ منْ هول الصَّدمة"..
    فتحتِ الأمُّ الوَرَقةَ بِحَذَرٍ.. قرأتِ الأمُّ.. سادَ صَمْتٌ مهيب.. للحظات..
    أشَاحَتِ الأمُّ وَجهها.. دَمَعَتْ عَيناها.. ثم قالت: "ما أبشع هذا الكلام.. وهل صدقته؟".



    13 – أمر لا يُصَدَّقُ

    رَفعَ عَبداللهِ رأسَهُ بكُلِّ اعْتزاز وفخر.. وقالَ بصوتٍ واثق ثابتٍ:
    لا يا أمِّي.. هذا أمْرٌ لا يُصَدَّقُ.. لكنّي لم أكنْ أظنُّ يوماً أنَّ أحداً ينكِرُ أمَانَة أفضَلِ النَّاسِ وَخَيرِ النَّاسِ وأعدلِ النَّاسِ... "كفى يا حبيبي.. كفى.. هذه مسألة سيئة، وتُهَمٌ بعيدةٌ عَنْ تفكيرنا... حتى لو لمْ نَدرُسْ التاريخ ونفهمه..".
    ثم قالت: لكنَّ عليكَ أنْ تعلم أنَّ هذا الأمرَ محدودٌ جداً، ومعظمُ النَّاس من المُنْصفين يرفضونه، وكثيراً من العارفين - عند كل الناس وفي كل مكان - لا يقبلون هذا الكلام.. وبَعضُ القليل لا يغلب الكثير.. فلا تحزن... فقد قالها له صاحبه (صلى الله عليه وسلم) قبل أكثر مِنْ ألف وأربعمئة عام، بنص القرآن الكريم: {لا تَحْزَنْ إنَّ اللهَ مَعَنَا}.. والنَصُّ القرآني لا يغيّره ولا ينسخُه إلا الله تعالى، أو يأمر نبيهُ بذلك.. وهذا لم يقلْ به أحدٌ منَ الناس.. فلا تحزنْ يا ولدي..
    كانَ عبدالله يَعرف أنَّ أمَّه تَقرأ كثيراً من الكتب.. وخاصَّةً في التاريخ..
    فقالَ لها: لمَاذا لمْ تخبريني مِن قبلُ أنَّ هناكَ من يشكِّكُ بعدالة صَحَابَةِ رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) الأقربين.. وبعدالةِ خلفائِه الراشدينَ خاصةً.. وأبي يذكِّرني دوماً - مع أنني لا أنسى - أنّه سَمَّاني (عبدالله) على اسم أبي بكر الصِّديق (رضي الله عنه) ويناديني دائماً بكنيته.. فكيفَ يقولون عنه ذلك يا أمي.. كيف؟؟ كيف؟؟
    في هذه اللحظةِ وَصلَ الأبُ إلى البيتِ ومعهُ ابنته نورة التي يحضرها من المَدرسة وهو عائدٌ مِنْ العمل ظُهْرَ كلِّ يومٍ.. لأنَّ مدرستها بعيدة بَينَما مدرسة عبدالله قريبة ويعودُ منها سيراً على قدميه..
    "السلامُ عليكم يا أغلى الناس"..
    دخلَ الأبُ وعلى شفتيهِ ابتسامته المُعْتادة.. وضعَ حقيبتهُ جَانباً.. اقترب وَسَلم على زوجته وابنه.. وهرولتْ نورَة نحو أمِّها تحضَنها وتقبِّلها...
    "هاه يا أصدقاء.. ماذا سَنأكل اليوم؟"، قالَ الأبُ مُشيراً إلى بطنه: هيا.. بطني يعزف ألحانُ الجوع.
    قالتِ الأمُّ ضَاحكة: لا طعام لكم اليوم.. جوعوا.. جوعوا...
    نورة لم تدْرك أن أمَّها تمازحهم.. فصاحت: سأموت من الجوع..
    "حاضر يَا نورة.. من أجلك أنت فقط يا حلوتي... دقائق ويكونُ الطعامُ جَاهِزاً..".
    قالت الأمُّ والضحكة تملأ كلماتها..




    14 - عبدالله يخبر أباه

    بعد الغداء قالتِ الأمُّ مخاطبةً ابنهَا عبداللهِ والأسْرةُ الصَّغيرةُ مُجْتمَعة لتناول الفاكهة:
    مَا رأيكَ يا أبَا بكر أنْ نخبرَ أبَاك عنْ الرَّسالة الإلكترونية.. التي أعطاك إيَّاهَا صديقك عاصِم..
    تلفَّتَ عبدالله وعلى وجهه تبدوْ حَيرة لمْ يفهم الأبُ مَغزاها..
    نظر الأبُ إلى ابنه مُتوجِّساً.. وكانَ قدْ لاحظ حزن ابنه من قبلَ لكنَّه لمْ يتكلم.. فقالَ لهُ عبدالله: أليسَ اسْمي عبدالله يَا أبي؟
    قالَ الأبُ ضاحكاً: نعم! إلا إذا كانَ لك اسْمٌ لا أعْرفه..
    قال: أليستْ كُنيتي أبا بَكر؟
    قال: نعم بالتأكيد!
    والأبُ مُتعجبٌ مِنْ ابنُه يَسْألهُ أسْئلة يعرفُ إجاباتها! لكنَّه ترقَّبَ مَا وراءَ هذه الأسْئلة..
    فقالَ لهُ: ثمَّ مَاذا؟
    قال: ما رأيك إذنْ في منْ يتهم من شرَّفْتَني بحملِ اسْمَهِ ولقَبَهِ ويصفهُ بأوصافِ سوءٍ..
    فهم الأب قصد ابنه وقال: يا بني، إن الصديق أبا بكر أفضل الأمة بعد النبيين ولا نقول عنه إلا خيراً.. فهو الصَّاحبُ الأمينُ.. وَهوَ الصِّدِّيق الصَّدِيق... وابنته أمُّ المؤمنين عائشة.. وتاريخُه مليءُ بالعطر.. وَهَذا حقٌ واضحٌ جَلي..
    قال عبدالله: لماذا لم تخبرني بما يقال عنه من سوء من قبلُ يا أبي؟
    نظر الأب إلى ابنه.. وعلى وجهه ترتسم علامات الحزن من الفكرة، ومعها تظهر علامات الفرح من رجاحة عقل ابنه وتفكيره بما يجري من حوله..
    ثم قال الأب: وهلْ صدَّقتَ ما سمعتَ وقرأت يا أبَا بَكْر؟
    قال: بالطبع لا.. لكنَّ الأمر شغلني كثيراً.. وطوال اليوم وأنا أفكر فيه.. حتى إنِّي ولأوَّل مرَّة أهمل الانتباه لشرح المدرِّس داخلَ الفصْل، فقد كان الموضوع يشغَلُ قلبي.. ولكني لن أفعل ذلك مرة ثانية.. فلا بد أن انتبه جيداً داخل الفصل..
    سَألهُ الأبُ: هذا صحيح يا ولدي.. ولكن بِمَ فكَّرْتَ؟
    قال عبدُالله: قلتُ في نفسي: إنَّ نبينا مُحَمَّداً (صلى الله عليه وسلم) اختار أبا بكرٍ في أعظم رحلةِ عرفتها البشرية، وهي الهجرة النبوية الشريفة.. فهل يعقل أنْ يُصاحبَ منْ لا يأمنُهُ بهذه الأمانة العظيمة.. ثمَّ إنَّ رسولَنا الكريمَ تزوجَ ابنتَه عائشة رضيَ الله عنها.. فهو الصَّاحبُ وهوَ العمُّ.. وابنته أم المؤمنين.. وكيف نشكّ بمن اختاره رسولنا الأمين للصلاة بالنَّاس في مرضِ موته! فاغْتمّتْ نَفسي وَبَكيتُ..
    قال الأبُ: هدئ من رَوْعِكَ يا بنيَّ.. ما قلتَه شديدُ الأثر في نفسي.. لكنِّي لم أكن لأقولَ لكَ ما يحزنك ولا يفيدك.. وأنا أحرصُ على قول ما يبهج قلبك.. أليس كذلك؟
    ثم تابع: ما رأيك.. بدلاً من أن نحزن ونأسى ونبكي.. ما رأيك لو تعاملنا مع هذا الواقع بتفاعل إيجابي؟
    "آه.. يا عبدالله.. لقد أتيتَ بالتعبِ لنفسك.. ترقب إذنْ ما سيفعلُه أبوكَ بك.. وتحمَّل.. فأنت السبب".
    قالت الأمَّ ذلك وهي تدرك أنَّ أبَا عبدالله لا يُضيعُ فرصةً واحدة دون الاستفادة والعلم..
    وحال لسانه يقول مثل الشاعر:
    إذا مرّ بي يومٌ وَلمْ أصْطنعْ يَداً وَلمْ أسْتَفِدْ عِلْماً فَمَا ذاكَ مِنْ عُمُري‏
    فقال الأب ضاحكاً: هذا بالفعل هو شعاري.. فما رأيكم مَا دَامتِ العُطلة الأسبوعية قدْ بَدأت.. أنْ نَشغلَ أنفسنا اليومَ وَغداً بذكر رواياتٍ وأحداثٍ وأقوالٍ في سيرةِ هذا الرَّجلِ العظيم، الذي قيل عنه إنَّه أعظمُ النَّاس بعد الأنبياء والرسل.. فيجمع كلُّ واحدٍ منَّا معلومات لنتبارى أيُنا أكثر معرفة بهذا القائدِ الكبير...
    قالتْ نورة: يا لها من فكرة رائعة.. سنقضي نهاية أسبوع بديعة.. هل يعني أننا لن ندرسَ دروسَ المدْرَسَةِ..
    قال الأب ضاحكاً: هذا هو همُّك الوحيد يا نورة.. لا تخافي.. لن نتركك تهملين ما عليك من واجبات.. لكنَّنا سنخصص وقتاً كافياً للبحث في هذا الموضوع.. وسنجعل نزهتنا هذه العطلة في ساحة العلم والتفكير..
    الأم: لنبدأ إذنْ من هذه اللحظة.. وليُحْضرْ كلٌّ منا كتاباً من المكتبة، فلدينا كتبٌ كثيرةٌ في التاريخ الإسلامي..
    قالتْ نورة بحماسةٍ شديدةٍ: أنَا عِنْدي فِكرة.. ما رأيكم أنْ نكتبُ المعلومات التي نجمعها على الكمبيوتر ثمّ نقوم بإرسالها إلى أصدقائنا على الإنترنت لننشر الأخبار الصحيحة.. وبذلك نكونُ إيجابيين حقاً، نُفيدُ ونستفيدُ..
    قال الجميع: فكرة رائعة.. هيا نبدأ..




    15 - سباق في الخير
    قاموا جميعاً يتسابقون..
    أحضر كلُّ واحدٍ مِنْهُم عَدداً مِنَ الكُتبِ ولم يكتفِ بكتابٍ وَاحد..
    جَلسوا إلى طاولةٍ كبيرةٍ.. وضعوا الكُتُبَ بعضها فوق بعض.. وبدأوا يبحثون..
    قال الأب: هيا.. نبدأ البحث الأول: متى ولد أبو بكر الصديق؟ هيا.. أجيبوني..
    قالت الأم: يا زوجي العزيز.. هذا سؤال بسيط لا يحتاج لبحثٍ ولا تدقيقٍ أو تمْحِيص فكلنا نَعرف الجَوَابَ..
    قالَ الأبُ: ومع ذلك ستكون هذه النقطة منطلق عملنا فمن يقول الجوابُ.. ما رأيُك أنتِ يا نورة؟
    نورة: نعم يا أبي.. كما تريد.. كانت ولادته رضي الله عنه بعد عام الفيل بسنتين أو ثلاث.. على خلاف.. فهو أصغر من رسولنا الكريم ما بين سنتين أو ثلاث.. والله أعلم..
    عبدالله ضاحكاً: ماشاء الله.. ماشاء الله.. إجابة ممتازة... حسناً.. حسناً.. لكنَّنا نعرف ذلك ولنْ نَحسبها.. أليس كذلك يا أبي؟
    يَضحَكُ الأبُ ويقولُ: طبعاً لنْ نحسبْها.. لكننا نحب أنْ نستذكر ما نعرفه كيلا ننساه.
    ثم تابع حديثه قائلاً: حسناً.. من يعطيني شيئاً جديداً فريداً..
    قالتْ نورَة: هل تعتقدون أنني لا أعرف.. أنَا سَأعطيكم شيئاً جديداً فريداً.. اسْمعوني جيداً.. أليستْ ابنتهُ هي زوجةَ الرسولِ الكريم.. والزوجة منْ آل البيت، كما هو مُقَّرر ومعلوم.
    الأم: جميل.. جميل.. تابعي.
    نورة: هو الوحيد الذي ورد ذكره في القرآن الكريم {صاحباً} محدداً للرسول الكريم.. وهذا أمرعليه إجماع ولا ينكره أحد بأنّه كان الصاحب في رحلة الهجرة المباركة.. كما أنَّ القرآن امتدح ابنته الشريفة الطاهرة.. لأنَّ زوجات الرسول أمهات للمؤمنين.. فهل بعد هذا من فضل؟
    عبدالله: ما أروعك يا نورة.. أعجبني كثيراً ما قلت.. والكلام من بعدك صعب.. لكنني سَأحاول أنْ أباريك بالقول فاسمعي وعي:
    هو بينَ الرِّجال أوّلٌ؛ أوَّلٌ فيمَنْ أسْلمَ.. وأوَّلٌ بين من أحبَّ الرسول (صلى الله عليه وسلم).. ما رأيكم.. هل أتابع؟
    الجميع بصوت واحد: تابع... تابع..
    قال الأب: أبدعت يا ولدي.. هيا قل ولا تتوقف.
    قال عبدالله بعد أن تنحنح واعتدل في جلسته ورفع رأسه مزهواً بنفسه:
    نتبع الأوائل بالقول: هو أوَّلُ خليفة.. وأوّلُ من جمع القرآن في كتاب.. وأوّلُ من صدَّقَ بالرِّسَالة ومعجزات الرسول من الرجال فعُرفَ بالصِّديق.. وأوُّلُ من أظهر الإسلامَ علناً دون رهبة ولا خوف.. وهو أوَّلُ الوزراء.. وأوَّلُ من صلى بالناس بأمر الرسول الكريم عند مرض وفاته.. وأوَّلُ من واسى النبي بماله ونفسه، وأوَّلُ من كان يتكلمُ بحضرةِ الرَّسُول (صلى الله عليه سلم)... وهو المستشار العسكري الأوّل.. وأوّل شاهد على صلح الحديبية... وأخيراً وليس آخراً: هو أوُّل من دُفن في جوار النبي (صلَّى الله عليهِ وسلَّم).. ثمَّ تبعه إلى هذا الجوار الشريف خليفته أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.. ولم يسكن في جوارهما أحد من الخلق..
    وهو أوَّلُ وآخرُ من أوصى لخليفة واحدٍ محددٍ من بعده بين الخلفاء الراشدين..
    فهل بعد هذا كلام؟؟
    الأم وقد دَمَعَتْ عيناها: رائع ما قلت يا عبدالله.. جميل هذا الجمع من الأوائل عند أبي بكر .. فحياة أبي بكر كانت كلها تدل على أنّهُ السَبَّاقُ في كل شيء.. وهنالك كثير من الأحداث التي تؤكدُ ذلك.. كانتْ حياتُه عامرةً بالعطاءِ والسبق إلى الخَير.. وَلوْ رَوَيْنا عنه جزءاً يسيراً مما وردنا من القَصَص لما كفتنا عُطلاتِ نهايةِ الأسبوع فقط..
    قالتْ نُورة ضاحكة: إذنْ لنمْنَحْ أنفُسَنا عُطلاتٍ كثيرةً..
    فضحك الجميع منْ قوْلِها...


    16 – حياته قبل الإسلام

    هُنا قالتْ نورَةُ: لقد تحدثنا عن أشياءَ كثيرة.. لكنَّنا لمْ نتحدثْ بعد عن نشأة أبي بكر وحياته في مكة قبلَ الإسْلام.. ما رأيكم أنْ أحدثكم عن ذلك.. أمَامي نصٌّ جميل يروي بعضاً من حياة الصِّديق في تلك الفترة..
    قالتِ الأمّ: فعلاً نريد أنْ نعرفَ ذلك.. هيا غرِّدي يا عصْفُورَتي الصَّغيرة.
    بدأتْ نورة تتكلم بصوتها العذب الجميل: نشأ أبو بكر رضي الله عنه في مكة المكرمة، ولما جاوز سنَّ الصبا عمل في بيع الثياب ونجح في تجارته وحقق الربح الوفير. وكانت تجارته تزداد اتساعاً فصار من أثرياء قريش؛ ومن ساداتها ورؤسائها.
    وتزوَّج في مطلع شبابه من (قتيلة بنت عبد العزى)، ثم تزوَّج من أم رومان بنت عامر بن عويمر. وكان يعرف برجاحة العقل ورزانة التفكير، وكان ممن حرموا الخمر على أنفسهم في الجاهلية، وقد أجابَ الصِّديق من سأله: هل شربتَ الخمرَ في الجاهلية؟ بقوله: أعوذ بالله، فقيل: ولم؟ قال: كنت أصون عرضي، وأحفظ مروءتي، فإنَّ من شربَ الخَمْرَ كان مضيّعاً في عرضه ومروءته، كان يعيش في الحيِّ نفسِه النبيُّ محمَّد (صلَّى الله عليه وسلم)، ومن هنا بدأت صداقتهما، حيثُ كانا متقاربين في السن والأفكار والكثير من الصفات والطباع.
    وتابعتْ نورَة تقول: وقد اشتهر الصِّديق بعدة أمور منها:
    اشتهر أولاً بعلم الأنساب، وكان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها، وكان في الجاهلية تاجراً، وكان ينفق من ماله بسخاء وكرم عرف به في الجاهلية.
    وعلق عبدالله قائلاً: يا سبحان الله.. من كانت هذه خصاله في الجاهلية كيف تكون خصاله في الإسلام.. صدق رسول الله، خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا ).
    قالت نورة: صحيح قولك.. استمع إذن إلى ما سأتبع به كلامي.. الصِّديق رضي الله عنه من القلة القليلة في الجاهلية الذين لم يسجدوا لصنم أو تمثال.. وقد قال: ما سجدت لصنم قط، وذلك أني ناهزت الحلم فأخذني أبو قحافة (يعني أباه) بيدي وانطلق بي إلى مخدع فيه الأصنام، فقال لي هذه آلهتك الشّم العوالي، وخلاني وذهب، فدنوت من الصنم وقلت: إني جائع فأطعمني.. فلم يجبني، فقلت: إني عار فاكسني.. فلم يجبني، فألقيت عليه صخرة فخرّ لوجهه.




    17 – الأم تقول كلاماً مهماً

    فرحَ الأبُ وفرحَتِ الأمُّ بهذا الحوار المفيد وقدْ رأيَا السُّرورَ في عينيّ عبدالله ونورة..
    فقالتِ الأمُّ: هلْ تسمحوا لي أنَّ أتحدثََ الآنَ:
    الأبُ توجَّه إلى طفليه قائلاً: ممممم.. يبدو أنَّ لدى أمُّكما كلاماً مهماً عميقاً.. مَا رأيكما؟
    عبدالله ونورة بصوتٍ واحدٍ: تفضلي... منبرُ الكلام لكِ.
    الأمُّ: شكراً لكمَا.. المَسْألة أنَّ الكلامَ عن شخصيةِ أبي بكرٍ وبُطولاته قدْ يشكّكُ البعض فيها ولا يقبلها.. ومهما جمعنا من كلام وعِبَر وقصص قد يعترض من يعترض.. فلا تنفع كل الرسائل الإلكترونية ولا الرسائل العادية.. لذا علينا أن نجمع ما لا يمكن إنكاره..
    ثمَّ تابعتْ: لو نظرنا إلى الصُّحْبةِ الغالية في الهجرة الشريفة.. فهل يمكن لرسول الله عليه وعلى آله أفضلُ الصلاةِ والسَّلام أنْ يختارَ رفيقاً لدربه الطويل ولا يعرف جيداً هذا الرفيق.. ثم لو شككنا باختيار النبي لرفيق دربه الطويل.. وصحبته الطويله؛ فكيف نشكك بوصفأبي بكر صاحباً من السماء.. ثمَّ بلْ كيفَ يُخْطِئُ الرَّسُولُ في اختيار صاحبه كلَّ هذه السنين.. ثمَّ إنَّّ الرَّسولَ معصومٌ عن الخطأ.. فهل يمكن أنْ يَختارَ صَاحباً في أعظم رحلة في التاريخ ويكون الرفيق غير رفيق... ألا ترون عُمُقَ المسألة؟
    ثمَّ.. إنّ الرحلة من مكَّة إلى المدينة أخذتْ أياماً عديدةً زادتْ عن سبعة أيام.. ومن الكتب من يرفعها إلى أكثر من عشرة أيام.. فهلْ يمكنُ أنَّ رجلاً كأبي بكر رَضِيَ الله عنه.. بهذه القامة العالية بما عُرفَ عنْه في الجاهلية من امتناع عن عادات كانت سائدة مثل شرب الخمر والسجود للأصنام وغير ذلك من عادات جاهلية.. واستجابته لدعوة الإسلام فور تبلغها من رسول الله.. ويعيشُ إضافة إلى ذلك نحو عشرة أيام بلياليها.. مع نبي.. وليس نبياً كسائر الأنبياء والرسل.. لوحدهما.. يأكلان معاً.. ينامان معاً.. يتكلمان.. يفكران معاً.. ويتبادلان الأفكار.
    ثمَّ قالتِ الأمُّ بصوتٍ عال: يا لها من نعمة استحقها هذا الرجل؛ ... تصوروا هذه النِّعمة العظيمة.. فأنَّى لهذا الرَّجل أنْ يخالفَ أمرَ صاحبه (صلى الله عليه وسلم) عند موتِه.. ليس بعد فترة طويلة.. بل بعد أقل من ساعة كما يقال؛ فهل يمكن لهذا أنْ يحدثَ عقلاً؟؟ خاصَّة أنَّه عاشَ مَعَهُ سنواتٍ طوالاً في الإسلام إضافة إلى صداقتهما في سنوات ما قبل البعثة.. وإذا أضفنا أيْضاً هذه الأيام الخاصَّة جداً إلى كل تلك السنين..
    مع خصوصيةٍ شديدةٍ لأيامِ الهجرةِ، هذه الرحلةُ العظمى..
    فهلْ يُعقلُ أنْ يتغيّرَ هذا الرجلُ في أقلَّ مِنْ ساعة واحدة من موتِ صَاحِبه؟؟ ويصبح كل همه الدنيا وطلب الملك!
    وهلْ الرَّسولُ الكريمُ لا يعرف كيف ينتقي أصحابه ولا يعرف من يصاهر.. ومن يتزوج؟؟
    معاذ الله أن يكون كذلك..
    وقد ورد صدقاً في كلماتٍ مختلفة في الشكل متحدة في المعنى؛ أنّ الرسول الكريم (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) قال: "إنّ أمنَّ النَّاسَ عليَّ في ماله وصُحْبَته أبو بكر، ولو كنتُ مُتخذاً خَليلاً غَيْرَ ربي لاتخذتُ أبَا بَكر خليلاً، ولكنْ إخوَّة الإسلام..".
    فهل الرسول ينطق عن هوى في هذه المسألة بالغةِ الخطورةِ..
    أمَّا القول بأنَّ أبا بكر رَضي الله عنه تغيَّر من حال إلى حال ضده بعد ساعة أو أقل من وفاة رسولنا الكريم.. فأمرٌ يدعو إلى التفكير؟
    وإذا قيل إنَّه كان متغيراً من قبل ففي ذلك اتهام للرسول صلى الله عليه وسلم..
    وكذلك لو قلنا إنَّ أبا بكر كان يضمر ما في قلبه ولا يكشفه.. فكيف والرسول قد أعلمه الله بكل منافق في المدينة قريباً وبعيداً.. فهل يعقل أن يخفي عنه حقيقة أبي بكر.. فإمّا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم هذه الحقيقة وأخفاها.. فكيف وهذا باطل إِذْ كيف يأمره بالصلاة بالنّاس وهو يعلم ما في قلبه وما سيحدث من خلاف من بعده؟؟ وهلْ هُنالكَ أعظمُ منَ الصَّلاة.. وهل ولاية الدنيا أعظم من ولاية الآخرة؟؟
    وإما أنَّ الرَّسول الكريم يجهل هذه الحقيقة، وجاء من بعده من يكتشفها.. فهل يصلح ذلك في مقام محمد صلى الله عليه وسلم؟!
    فصاح الأب دون أنْ يتمالك نفسه: بورك هذا الكلام.. وهذا التفكير.. ما أعظمك من زوجة؟؟
    ثم ساد صمت..
    ثم قالتِ الأمُّ بعد أنْ هدأتْ حَماسَتُها: هناك إضافة أخيرةٌ مهمة جداً سأقولها لكم، وهي أنَّ أبا بكر (رضي الله عنه) هو من القلة النادرة بين صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذين أسْلمَتْ أسَرُهُمْ جميعاً.. فقد آمن كل آل بكر بدءاً من أمِّه وأبيه ثم أولاده.. وهو الوحيد الذي تشرّفتْ أسرتُه جميعها برؤية رسول الله حتى أحفاده رضي الله عنهم جميعاً، وليس من الصَّحابة من أسلم أبوهُ وأمُّهُ وأولادُهُ وأدركوا النبيَّ الكريمَ وأدركَهُ أيضاً أحفاده.
    ثم قالت الأم بصوت مليء بالخشوع والطمَأنِينةِ: إنَّ الله يُكرمُ منْ عباده من يشاء.. وأبو بكر من المكرمين الأجلاء في الدنيا قبلَ الآخره..
    قال أبو عبدالله:
    بارك الله بك يا زوجتي الحبيبة.. ما أجمل هذه الدرر التي نثرتها في قلوبنا قبل عقولنا.. ما شاء الله.. أبدعت فيما قلت.. بت أحسد نفسي عليك..
    الأم: ضاحكة: من بعض ما عندكم يا أبا عبدالله..
    الأب: إذن فقد جاء دوري.. فترقبوا ما سأقول..



    18– رجل لا يعرف أصحابه جيداً

    سأل الأبُ دونَ أنْ يَنْتظرَ منْهُم جَواباً: هلْ يُعْقلَ أنَّ رَسُولنَا الكريم، وهو لا ينطق عن الهوى، لا يحسنُ اختيار زوجته ولا أزواج بناته ولا حتى أصحابه المقربين.. وخاصة أبي بكر وعمر وعثمان.. وأبو بكر أشدّ النَّاس قرباً منه بشهادة القرآن الكريم - ولو ورد أنَّ أنبياءِ آخرين في أزواجهم أو أولادهم سوء وكفر فإنَّ هذا لا يليق ولم يثبت بحق رسولنا الكريم، فهو أعظم الخلائق جميعاً - فهل يعقل أنْ يختار الرَّسول رفيقاً في أعظم رحلة في التاريخ.. وهي الرحلة التي ستحدد مصير هذا الدين.. هل يعقل أنْ يصحب رجلاً سينقلب عليه بعد موته؟؟ ولو قال قائل إنّ هذا حدث بعد موته.. فهذا أمر فيه غرابة..
    فهل يتغير الحال بهذا الشكل والرسول الكريم لم يُدفن بعد؟؟
    ثم أينَ أهلُ المَدينة كلهم؟؟؟ بَل أينَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه؟؟ وهل سكوتهم عن الحق في هذه الظروف حكمة وفضيلة.. ولماذا لم يطالبوا بالحق ما دام حَقاً؟
    اهتزت أطراف الأب وهو يتكلم..
    ثمَّ وقف رافعاً سبابته: أنا رجلٌ بسيط ضعيفُ البُنية.. ولستُ رياضياً ولا مُصارعاً.. وحتَّى لا أمَارسُ السِّباحة أو الركضَ.. لكنِّي لا أتصوَّر، وأنا رجل في الخمسين وأعيش في القرن الواحد والعشرين، أنْ يأتي رجلٌ يطرقُ بابَ بيتي... وأنا جالس على أريكتي.. ولا أقوم وافتح الباب.. وليس ذلك فقط؛ يدفعُ الرجلُ البابَ باتجاه أمِّكم ويكسر ضلعها ولا أقوم وأكسر كلَّ أضلاعه.. فكيف وهذا الزوج هو علي بن أبي طالب وهذه الزوجة هي فاطمة بنت محمد رضي الله عنها وصلى الله على أبيها.. وعليّ فارس الفرسان.. وبطل الأبطال.. وليس ذلك فقط.. يحدث كلّ هذا أمام مرأى الصحابة الكبار.. ويعرف بالحادثة أبو بكر الصديق.. ولا يفعل أحد شيئاً لرد اعتبار ابنة الأمين صلى الله عليه وسلم.. قولوا بربكم.. كيف يحدث هذا؟؟
    ولو قيل أن علياً لم يكن موجوداً.. حتى ولو كان غائباً.. لماذا لم يفعل شيئاً عندما عاد؟.. ولو قيل إن فاطمة منعته.. فهل هذا أمر ممكن.. يعني لو أنّ أمَّكم منعتني عن أحد أساء إليها هل امتنع؟؟.. لا يمكن.. بل مستحيل.. لأن المسألة مسألة كرامة.. وشرف.. وهنالك تهمة بالقتل.. بالقول إن من كان وراء الباب قتل الجنين الذي في بطن فاطمة رضي الله عنها..
    قالت نورة: هذه أوَّل مرة أسمع فيها هذا الكلام العجيب..
    قال عبدالله: وأنا أيضاً.. إنَّ عقلي المحدود يسأل الأسئلة نفسها؟ حتى وأنا طفل صغير لو أساء أحد لأمي سأهجم عليه ولو كان أقوى مني.. فكيف والحسن والحسين رضي الله عنهما في المنزل.. ولو كانا في ذلك الوقت صغيرين.. فالطفل في تلك الأيام مع صعوبة الحياة وقسوتها وشدتها يكون قوياً.. وليس مثلنا نحن أطفال القرن الواحد والعشرين..
    قالت الأم: لم نكن نحب أن نخبركما بهذه القصص الحزينة؛ كما أننا لا نحبُ أساساًً التكلمَ فيها...
    هنا قال عبدالله: سأحكي لكم هذه القصة التي حدثت قبل سنوات.. أذكر أنَّ صبياً ضربني مرَّةً في المدرسة وأنَا صغير.. فأقام أبي الدنيا ولم يقعدها، هل تذكرُ ذلك يا أبي؟؟
    لقد طلبتَ يومها من الناظر أنْ يَحضر ولي أمر الطفل بنفسه، وكانَ الطالبُ أكبرُ منِّي سناً.. ولم تقبلْ بأقل من اعتذار الطالب في طابور الصباح بحضور أبيه وجميع التلاميذ.. لأنَّ الصبيَّ ضربني في باحةِ المدرسةِ وأمَامَ الطلابِ لأني أوقعت له حقيبته وأنا أمشي دون أن أنتبه إليها، فغاظه ذلك ولم يقبل اعتذاري فهجم عليَّ وضربني..
    فإذا كانت كلُّ هذه الضجة قد أحدثتها أنتَ يا أبي وأنتَ رجل هادئ.. مع أمر بسيط مثل هذا.. فكيف بعليٍّ بطل الأبطال وسيد الرجال.. في تلك الحادثة العجيبة...
    قال الأبُ: جميلة هذه الملاحظة يا بنيَّ.. فأنا ما زلتُ أذكرُ تلك الحادثة.. لقد ظلمك الصبيُّ وأنا أكرهُ الظلمَ ولو على من يكرهني.. فكيفَ وقد وقعَ الظلمُ على أهل بيتي؟؟ فهل يعني هذا أنّ عنفواني أعلى من علي رضي الله عنه.. لا وربي.. ولن أقول هذه حكمة من علي.. لأنه ببعد نظره سيدرك أن هذه الحادثة لو حصلت فعلاً سوف تخلف منازعات في الأمة لن تتوقف..




    19 - مصاهرات بيت النبوة وأبي بكر
    قالت الأم: دعكم الآن من هذه القصص المُحْزنة، ومَا دُمْتَ يا زوجي العزيز تحدثتَ عن أهل بيتك.. ما رأيك لو تحدثنا الآن عن المصاهرات التي حدثت بين بيت النبي الكريم وبين بيت آل أبي بكر الصديق رضي الله عنه..
    قال عبدالله: فكرة جميلة يا أمي.. كنتُ أريد الحديث في هذا الموضوع.. فقد قرأت من قبل لوحة جميلة وضعها لنا المدرسُ في الفصل.. وفيها تأكيد من مصادر مختلفة لا يمكن إنكارها عن حدوث ست مصاهرات مشهورة بين آل البيت النبوي وآل الصديق رضي الله عنه.
    أمّا أشرفها فهو الزواج المحمدي من الصديقة عائشة رضي الله عنها.. وهذا سبط النبي وريحانته الحسن - وفي بعض المصادر الحسن - يتزوج حفيدة أبي بكر (حفصة بنت عبد الرحمن).
    ثم يتزوج أحد أحفاد الحسن (موسى الجون) بن عبدالله المحض بن الحسن المثنى من أم سلمة بنت محمد بن طلحة بن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي بكر.
    وتزوج الباقر في سنة 80 للهجرة تقريباً أم فروة بنت القاسم بن محمد لتنجب له جعفر الصادق.
    وكذلك تزوج إسحاق بن عبدالله بن علي بن الحسين من كلثم بنت اسماعيل بن عبدالرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر.
    أما من بيت جعفر الطيار فتزوج إسحاق بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب من أم حكيم بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر أخت أم فروة (أم جعفر الصادق) فتكون بذلك أم حكيم خالة جعفر الصادق.
    ثم قالتِ الأمُّ: ما أجمل ما جمعت يا ولدي.. من هو هذا المدرس الكريمُ الرائعُ الذي أتى باللوحة ووضعها على الحائط؟
    عبدالله: إنه الأستاذُ خالدُ.. مدرسُ القرآن الكريم..
    الأمُّ: بعد العطلةِ سأذهب بنفسي لأشكره.. وسوف أسألهُ من أين أتى بهذه اللوحة لأنني أريد الحصول على لوحة مثلها..
    الأب: بارك الله فيكِ يا زوجتي العزيزة.. بالفعل.. هو مدرسُ يستحق الشكر.. كما يستحقُّ الشكرَ من أنجز هذه اللوحة الكريمة..
    وتوقف الجميع عن الكلام.. وعادوا يقلبون صفحات الكتب يبحثون عن أشياء مميزةٍ..



    20 – مدونة على الإنترنت

    سرَّ عبدالله بهذا الكلام وقال:
    أود هنا قبل أنْ نبْدأ بسَرْدِ بعض أعْمَال الخليفة أبي بكر وإنجازاته العظيمة التي أداها في دولة ناشئة، وخلال سنتين فقط، مدة حكمه القصيرة، وهي إنجازات يعجز كثير من الناس عن إنجازها، ليس في عامين فقط لكن في عشرات بل مئات السنين..
    وقد جاءتني فكرة الآن وأنا أحدثكم.. وهي أنْ نعمل مدونة على الإنترنت بالرسائل التي نرسلها وخاصة الأحاديث التي تتحدثُ فيها عن فضائل أبي بكر رضي الله عنه.. وها هي أمامي مجموعة من الأحاديث الصحيحة التي وردت في الصحيحين سأذكر بعضها وهي ليست أهمها.. وهنالك الكثير الكثير غيرها.. سأكتفي بالقليل لنعرضه على المدونة ليطلع عليها أكبرعدد من الناس..
    قال الأب: فكرة رائعة.. هيا ابدأ وسوف نساعدك في كتابة النصوص وأنت تضعها على المدونة التي سنسميها مدونة (فضائل أبي بكر)..
    الأم: ولماذا أنتما فقط.. أنا ونورة معكما..
    نورةُ: بالطبع أنا أيضاً.. هيا يا عبدالله انطلق وكلنا آذانٌ صاغية.
    قال عبدالله بعد أن شرب قليلاً من الماء وقال بخشوع:
    كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه أبيض اللون نحيفَ الجسم، خفيفَ العارضين ناتئ الجبهة، أجود الصحابة، وهو كما قلنا سابقاً أوَّل من أسلم من الرجال وكان عمره تقريباً 37 سنة، وعاش في الإسلام 26 سنة. بويع بالخلافة يوم وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم في السنة الحادية عشرة للهجرة وأجمع الصحابة كلهم على خلافته.
    وراح عبدالله يروي تفاصيل البيعة فقال:
    بُويع رضي الله عنه في سقيفة بني ساعدة يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة للهجرةِ، وذلك حين ذهب هو وعمر رضي الله عنه وبعض الصحابة ليتشاوروا في أمر الخلافة، حتى قال عمر لأبي بكر: أبسط يدك، فبسط أبو بكر يده فبايعه، ثم بايعه المهاجرون ثم الأنصار، ثم كانت البيعة العامة في اليوم التالي.
    والمعلوم أنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم عظمت مصيبة المسلمين حيث كثر النفاق وارتدت بعض القبائل، والبعض امتنع عن أداء الزكاة، فأسرع أبوبكر الصديق رضي الله عنه لمداركة هذا الأمر العظيم قتل مسيلمة الكذاب الذي ادّعى النبوة بعد فترة وجيزة من خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وهرب طليحة بن خويلد إلى أرض الشام وكان ادعى النبوة أيضًا ثم أسلم في عهد عمر بن الخطاب، واستشهد من الصحابة نحو 700 رجل أكثرهم من القرّاء ما جعله يأمر بكتابة القرآن الكريم في الصحف، كما جهز رضي الله عنه الجيوش لفتح بلاد الشام..


    21 – الخلاف مع فاطمة

    رفع أبو عبد الله يده مستأذناً بالحديث ثم قال لزوجته.. بالنسبة للمسألة التي فيها إنَّ فاطمة طلبت ميراثها من أرض (فدك).. هل لديك يا زوجتي الحبيبة علم في هذا؟
    ضحكت الأم وقالت: هذه القصَّة تحتاج لبعض الكلام..
    الأب: تكلمي وهل هنالك من يمنعك؟
    الأم: كنتُ انتظر الفرصة لأتكلم فعبد الله لديه معلومات غزيرة عظيمة.. ما شاء الله عليه.. الله يحفظه..
    عبدالله: شكراً يا أمي.. لكني أريد أن أفهم قليلاً هذه المسألة..
    الأم: حاضر يا ولدي.. يقال إنَّ فاطمة طالبت بميراث أبيها عند وفاته.. فلم يقبل أبو بكر رضي الله عنه محتجاً بقول رسول الله بأن الأنبياء لا يورثون..
    ولكني أتساءل.. هل يمكن أن تأتي فاطمة بنت سيد الخلق بعيد وفاة أبيها مباشرة تطلب ميراثاً؟؟ وكيف تعادي أبا بكر لأمر شخصي ولا تعاديه لاتهامه بأنه أخذ الخلافة عنوة كما قيل.. وكيف يمكن أن يفعل أبو بكر ذلك بحضرة آلاف الصحابة الكرام.. وبذلكَ نتّهمُ أهْلَ المدينة كلهم مهاجرين وأنصاراً.. فهل يمكن أن يتواطأ كل هذا الجمع على الخداع؟؟
    ولو اقتنعنا بوقوع الحادثة.. فإن إقرار أهل المدينة لموقف أبي بكر يؤكد أنّ الحديث صحيح وهم يعرفونه ولا ينكرونه..
    الأم: أريد أنّ أقولَ شيئاً هنا.. لو افترضنا أنَّ الخليفة الأول لم يردَّ الأرضَ التي طالبت بها فاطمة على أساس أنّها إرثٌ لها من رسول الله.. فكيف وافقه عمر وعثمان على ذلك..
    بل إنّ علياً رضي الله عنه عندما تولى الخلافة لم يسلم أرض (فدك) إلى ورثة فاطمة.. أليس هذا يدعونا للتساؤل؟
    عبدالله: آه يا أمي.. من أين تأتين بهذا الأفكار؟؟!!
    نورة: هذا رأي ممتاز.. لكني أريد أن أتعرف أكثر على حياة أبي بكر وشخصيته.. من يفيدني بذلك؟
    الأب: أرى أن نتعاون جميعنا في هذا الجانب لأنّه موضوع متشابك وواسع.. ولنختر من بين ما نعثر عليه من أقوال وأحداث أبسطها وأفيدها..
    عبدالله: طلبك صعب يا أبي.. ألا ترى أن سيرة الصديق عامرة بالخير والعطاء؟
    الأب: ما دمت ذكرت لقبهُ الأشهر(الصديق) لنبدأ به الكلام.. والله يوفقنا لما فيه الخير..
    قالت نورة: نعم يا أبي.. لنبدأ.. ولكني متأكد أنّ هذا بحر.. عرفنا شاطئه.. ولكن عمقه وبعده أبعد.


    22– الصِّدِّيقُ مَنْ مِثلهُ

    الأبُ وهو يصفقُ بشدة: عظيم.. عظيم يا نورة.. ما أجمل ما سمعت منك من كلام..
    وتابع الأب: سأحدثكم الآن عن سبب تسميته بالصِّديق، مع أنِّي متأكد أنكم تعرفون السبب، واشير إلى قول مصعب بن الزبير رضي الله عنه: إن الأمة أجمعت على تسميته بالصديق.. أما ما يقال يا نورة عن أن الصديق ليس لقباً من ألقاب أبي بكر.. فهذه حكاية أخرى.. لا أريد التكلم عنها.. بل سأشير إلى الواقعة التي كانت سبباً لتسميته بالصديق، وذلك لموقفه الشهير يوم الإسراء والمعراج عندما جاءه المشركون يقولون له: هل لك إلى صاحبك؟ يزعم أنّه أسري به الليلة إلى بيت المقدس.. فقال الصديق: أوَ قال ذلك؟ قالوا له: نعم، فقال دون تفكير: صَدَقَ، إني لأصدقه بأبعد من ذلك.. بخبر السماء غدوة وروحه..
    عندها سماه رسولنا الكريم بالصديق واشتهر بذلك..
    الأمُّ: ما رأيكم أن نعود إلى ذكر فضائل هذه الشخصية الكبرى في التاريخ كله..
    قال الجميع: موافقون..
    قالت الأمُّ: فضائل أبي بكر الصديق كثيرةٌ وأعظمُ من أن تحصى.. ولكن من أهمها أنه ثاني اثنين كما جاء في القرآن الكريم في قوله تعالى: {ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا}.
    قال الجميع: صدق الله العظيم.
    تتابع الأم: يقول أبو بكر في هذا الموقف: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار لو أن احدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا : فقال: ما ظنُّك يا أبَا بكر باثنين الله ثالثهما.
    عبدالله: أبي.. أبي.. هل لأبي بكر ألقاب وأسماء غير هذا اللقب؟
    قال الأب: نعم يا عبدالله، من أسمائه العتيق.. ومعناه: عتيق الله من النار، وهكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم عندما دخل عليه أبو بكر فقال له: أنت عتيق الله من النار... ولذلك سمي عتيقاً.. ويقال إن العتيق تعني أيضاً جمال الوجه.. وغير ذلك.
    كما لقب أبوبكر بأنه سيد كهول أهل الجنة، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين، ما خلا النبيين والمرسلين، لاتخبرهما يا علي.
    وقال عنه النبي يوماً قولاً عظيماً، فعن عبدالله بن حنطب: أنّ البنيَّ صلى الله عليه وسلم رأى أبابكر وعمر فقال: هذان مني السمع والبصر..
    الأم: الله.. ما أجمل وأروع هذا الوصف..

    23 – اللحظات الأخيرة في حياته
    قالت نورة.. جميلة هذه المعلومات التي تتطاير من حولنا.. لقد مضى النهار.. وأمضينا وقتاً طويلاً وصلينا الظهر والعصر والمغرب والعشاء.. وما زالت قصص الصديق تترى بلا توقف.. هل تريدون الاستمرار حتى نصلي الفجر..
    يضحك الأب ويقول: آه منك يا نورة.. وماذا تبقى لك من قوة حتى تنتظري طلوع الفجر؟؟
    هيا ننام الآن لنكمل غداً حديثنا الشيق الطويل.. وربما نبدأ بعد صلاة الفجر مباشرة..
    قالت الأم: موافقة.. هذه أجمل عطلة نهاية أسبوع.. نقضيها في رحاب النبوة الطاهرة وبصحبة الصاحب الصديق...
    قال عبدالله: هل يمكن أن أضيف شيئا أخيراً:
    قال الأب: تفضل يا عزيزي..وأمرنا لله.. فأنت وصديقك عاصم وتلك الرسالة الإلكترونية سبب كل ما قمنا به في هذا اليوم الجميل من بحث جليل..
    قال عبدالله: أريد أن أختم لقاءنا هذه الليلة المباركة بذكر اللحظات الأخيرة في حياة الصديق، فقد كان أبو بكر يقول في لحظات حياته الأخيره لمن حوله من أقرب الناس إليه: انظروا ماذا زاد في مالي منذ دخلت الإمارة؛ فابعثوا به إلى الخليفة من بعدي..
    وتقول عائشة رضي الله عنها: نظرنا بعد وفاته فإذا بعبد نوبي وبعير كان يسقي بستاناً له فبعثنا بهما إلى عمر فقال: "رحمة الله على أبي بكر، لقد أتعب من بعده تعباً شديداً".
    وعن عائشة رضي الله عنها قالت: إنّ أبا بكر لما حضرته الوفاة قال: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم الإثنين، قال: فإن مت من ليلتي فلا تنتظروا بي للغد، فإنّ أحب الايام والليالي إلي أقربها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال لعائشة: اغسلي ثوبيَّ هذين وكفنيني بهما، فإنّما أبوك أحد رجلين: إمّا مكسو أحسن الكسوة أو مسلوب أسوأ السلب.
    وأوصى ابنته عائشة أن يدفن إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما توفي حفر له وجعل رأسه، عند كتف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألصق اللحد بقبر رسول الله.
    وصلى عمر رضي الله عنه على أبي بكر بين القبر والمنبر، وكبر عليه أربعاً.
    وقد توفي أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء لثمان ليال بقين من جمادى الآخرة سنة 13 للهجرة وهو ابن 63 عاماً رحمه الله ورضي عنه.
    ولمّا كان اليوم الذي قُبض فيه أبو بكر رجّت المدينة بالبكاء، ودهش الناس كيوم قُبض الرسول صلى الله عليه وسلم، وجاء علي بن أبي طالب باكياً مسرعاً حتى وقف على البيت الذي فيه أبو بكر مسجّىً فقال: (رحمك الله يا أبا بكر، كنت أوّل القوم إسلاماً، وأكملهم إيماناً، وأخوفهم لله، وأشدهم يقيناً، وأعظمهم عناءً، وأحوطهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحدبهم على الإسلام، وآمنهم على أصحابه، وأحسنهم صُحْبة، وأفضلهم مناقب، وأكثرهم سوابق، وأرفعهم درجة، وأشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم به هدياً وخُلُقاً وسمتاً وفعلاً).

    وعندما توقف عبدالله عن قراءة هذا النص التفت فرأى عيون أبيه وأمه وأخته قد احمرتا من البكاء... فقال: رحم الله أبا بكر... هذا الجبل الأشمّ.. الذي سيبقى مارداً كبيراً كما كان.. أبد الدهر.. ونسأل الله أن نلتقيه يوم القيامة وقد نال ما وعده الله ورسوله من أجر عظيم..
    قال الجميع: آمين.. آمين..



    ب- عثمان بن عفان رضي الله عنه.. الصّهر والصّاحب


    24 - قرشيٌّ من بني أمية
    25 - أحسن زوجين رآهما إنسان
    26 - كرمه رضي الله عنه
    27 - تجهيز جيش العسرة وشراء بئر رومة
    28 - تبشيره بالجنة
    29 - بيعة الرضوان
    ‏‏ 30 - توليه الخلافة
    31 - استشهاده


    24 - قرشيٌّ من بني أمية

    في التاريخ أشخاص ليسوا كغيرهم من الناس.. برزوا بشكل واضح وتركوا بصمات جليلة استمرت مئات السنين ولا تزال حتى اليوم.. وهذا التاريخ الإنساني الطويل..لم يسجل أنّ نبيا من الأنبياءً أو رسولاً من الرسل زوَّج ابنتين من بناته لرجل واحد غير نبي واحد.. ولصاحب واحد من أصحابه.. والنبي هو رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. والصاحب إمام مشهور.. وهو أمير المؤمنين.. ذو النورين.. صاحب الهجرتين.. زوج الابنتين، والمصلي إلى القبلتين.. وأحد العشرة المبشرين بالجنة عثمان بن عفان رضي الله عنه. الذي زوجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابنتيه رقية وأم كلثوم رضي الله عنهما؛ واحدة وراء الأخرى.. فلم ينل أحد في الدنيا هذا الشرف العظيم الذي ناله عثمان الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّه أشبه أصحابي بي خُلقاً".
    هو من قبيلة قريش.. القبيلة العربية التي اختار الله تعالى منها نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وعثمان رضي الله عنه من بني أمية.. وهم قوم كانت لهم قيادة وقوة في قريش وبين العرب.. ولد في مكة المكرمة قبل ولادة من رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام بسنوات قليلة.. وفي شبابه كان غنياً شريفاً وتاجراً من كبار التجار، كما كان متعلماً يسأله رجال قريش عن كثير من المسائل، وكان شديد الحياء، صادقاً.. مشهوراً بالصدق والأمانة والوفاء..
    كان رابع من أسلم من الرجال وكانت سنُّه قد جاوزت الثلاثين، حيث دعاه أبوبكر الصديق رضي الله عنه إلى الإسلام فأسلم على الفور. وكان أوّل مهاجر إلى أرض الحبشة لحفظ الإسلام، ثم تبعه سائر المهاجرين في الهجرة الأولى. ثم هاجر بعد ذلك إلى المدينة المنورة، فعرف بأنّه صاحب الهجرتين.

    25 - أحسن زوجين رآهما إنسان

    بعد أن تزوج عثمان رقيّة بنت رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، هاجرت معه إلى الحبشة، وهناك ولدت له ولداً اسمياه عبد الله، لكنه توفي صغيراً فيما بعد.. كما هاجرت معه رقيّة إلى المدينة في الهجرة الثانية، وكان يقال:‏ "أحسن زوجين رآهما إنسان.. رقية وعثمان".. ثم مرضت وماتت في السنة الثانية للهجرة خلال غزوة بدر.. فحزن عليها زوجها حزناً شديداً.. فزوجه الرسول من أختها أم كلثوم، فلقب بذي النورين.
    وكان رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وآله سلم يثق بصهره عثمان ويحبه ويكرمه لحيائه، ودماثة أخلاقه، وحسن عشرته، وما كان يبذله من المال لنصرة المسلمين، وبشره بالجنة كأبي بكر وعمر وعلي وبقية العشرة المبشرين بالجنة رضوان الله عليهم أجمعين. وأخبره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً بأنه سيموت شهيداً.. ‏واستخلفه على المدينة في غزوته إلى ذات الرقاع وإلى غطفان ‏.‏
    كانت علاقته بآل البيت وخاصة بعليّ رضي الله عنه على أحسن حال، ويروى أنّه في السنة الثانية للهجرة الشريفة وعندما تزوج علي بن أبي طالب رضي الله عنه أصغر بنات النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة رضي الله عنها؛ كان لعثمان فضل في دفع مهر علي، حيث اشترى منه درعه (الحطمية) بأربعمئة درهم، فلما استلم علي الدراهم قال له عثمان: الدرع هدية مني لك.. وقد فعل عثمان هذا مع علي رضي الله عنهما لعلمه بعزة نفس علي وكبريائه.. وقد قبل علي الدرع.. فهل يفعل ذلك إلا الذين في قلوبهم محبة ومودة؟
    وفي أيام الفتنة عندما حوصر عثمان في بيته أرسل إليه الإمام علي رضي الله عنه كما ذكرنا سابقاً ولديه الحسن والحسين رضي الله عنهما لحراسته وحمايته.. وقد قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد مقتل عثمان: "اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي".
    وقبيل استشهاده أرسل علي رضي الله عنه إلى عثمان يقول إنّ معي خمسمئة دارع (أي مقاتل) فأذن لي فأمنعك من القوم، فإنك لم تحدث شيئاً يستحل به دمك..
    فقال: جزيت خيراً.. ما أحب أن يهراق دم في سببي..
    ومن جميل اهتمام عثمان رضي الله عنه ببني هاشم وهم آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّه لمّا توفي عم النبي صلى الله عليه وآله سلم العباس رضي الله عنه في عهد عثمان أتت الجنازة إلى موضع الجنائز، فتضايقت الطريق.. فتقدموا به إلى البقيع حيث قبور الصحابة في المدينة، وقال الصحابة إنّ الازدحام كان شديداً ولم يخرج مثل ذلك للصلاة على ميت من قبل.. ولم يستطع أحد أن يدنو من مكانه.. وغلب عليه بنو هاشم... فلما انتهو إلى القبر ازدحموا عليه، فابتعد عثمان وبعث من يبعد الناس عن بني هاشم حتى استطاعوا الاقتراب أكثر، فنزلوا في حفرته ووضعوه في قبره..
    ومن ثناء سيدنا علي رضي الله عنه على عثمان،‏ ما روى الإمام أحمد عن محمد بن حاطب قال‏:‏ سمعت علياً يقول:‏ (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى) منهم عثمان‏. رضي الله عنهم أجمعين.



    26 - كرمه رضي الله عنه

    وفي التاريخ قصص كثيرة تشير إلى كرمه وفضله رضي الله عنه.. ومنها أنّه أصيب الناس بقحط في سنة من السنين، وكان ذلك في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فلما اشتد بهم الأمر جاؤوا الى أبي بكر رضي الله عنه وقالوا له: "يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنّ السماء لم تمطر والأرض لم تنبت، وقد توقع الناس الهلاك فما تصنع؟".
    فقال: "انصرفوا واصبروا.. فإني أرجو ألا تمسوا حتى يفرِّج الله عنكم".
    فلما أصبحوا فإذا بألف جمل محمل بالقمح والزيت والطعام.. تقف عند باب عثمان رضي الله عنه فجعلها في داره.. فجاء اليه التجار.. فقال لهم: ما تريدون؟
    قالوا: إنّك لتعلم ما نريد.
    فقال: كم تربحوني؟
    قالوا: الدرهم درهمين.
    قال: أعطيتُ زيادة على هذا.
    قالوا: أربعة.
    قال: أعطيتُ أكثر.
    قالوا: خمسة.
    قال: أعطيتُ أكثر.
    قالوا: ليس في المدينة تجار غيرنا فمن الذي أعطاك؟
    قال: إن الله أعطاني بكل درهم عشرة دراهم، أعندكم زيادة؟
    قالوا: لا.
    قال: فإني أشهد الله تعالى أني جعلت ما حملت العير صدقة لله على الفقراء والمساكين.


    27 - تجهيز جيش العسرة وشراء بئر رومة


    تعرف غزوة تبوك بغزوة العُسرة، من قول الله تعالى: {لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَة} (التوبة: 117).
    وقد أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم الناس بالخروج، وأعلمهم المكان الذي يريد ليتأهبوا لذلك، وبعث إلى مكة وإلى قبائل العرب يستنفرهم، وأمر الناس بالصدقة، وحثهم على النفقة والحملان، فجاءوا بصدقات كثيرة..
    وكان تصدق عثمان هو الأبلغ أثراً.. حيث جهَّز رضي الله عنه ثلث الجيش.. ب950 جملاً و50 فرساً،‏ وأنفق نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها،‏ وقيل إنّه جاء بألف دينار حين جهز جيش العُسرة، وكانت الألف دينار يومها تساوي الكثير الكثير، فنثرها في حجر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال بعد هذا الموقف:‏ ‏‏"ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم"‏‏‏.‏
    وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ‏"‏من جهز جيش العُسرة فله الجنة".

    وروى الحافظ أبو نُعيم الأصفهاني في كتابه (حلية الأولياء) عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: "اشترى عثمان بن عفان من رسول الله الجنة مرتين، حين حفر بئر رُومة وحين جهز جيشَ العُسْرة". وكانت بئر رُومة يباع ماؤها للمسلمين، وكان يملكها رجل يهودي، وفي رواية رجل من غفار، فحض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين على بذلها للمسلمين، فاشتراها عثمان رضي الله عنه وجعلها في سبيل الله، ويروى أنه زاد في حفرها ووسعها. ولا تزال إلى الآن معروفة في المدينة المنوّرة، وتقع في الشمال الغربي من المدينة قرب مجرى وادي العقيق، وتبعد عن المسجد النبوي بضعة كيلومترات.

    28 - تبشيره بالجنة

    كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم في حديقة مع الصحابي عبدالله بن قيس والباب مغلق، فدق الباب رجل، فقال النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ ‏يا عبداللَّه بن قيس، قم فافتح له الباب وبشَّره بالجنة‏. فقام وفتح الباب فإذا بأبي بكر الصدِّيق، فأخبره بما قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله سلم ، فحمد اللَّه ودخل وقعد. وبعد قليل دقَّ الباب فقال النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم:‏ يا عبداللَّه بن قيس قم فافتح له الباب وبشَّره بالجنة، فإذا بعمر بن الخطاب فأخبره بما قال النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم، فحمد اللَّه ودخل، فسلم وقعد.. ودق الباب ثالثاً فقال النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم: يا عبداللَّه بن قيس قم فافتح الباب له وبشره بالجنة على بلوى تكون.. فإذا بعثمان، فأخبره بما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فحمد الله ثم قال: الله المستعان.
    ‏ وعثمان رضي الله عنه أحد العشرة المبشرين بالجنة الذين ذكرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث واحد وفي سياق واحد: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعلي في الجنة، وعثمان في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة". (رواه الإمام أحمد في مسنده).

    29 - بيعة الرضوان

    كان الرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله سلم متوجهاً إلى مكة يريد العمرة، ومعه نحو 1400 من المهاجرين والأنصار، ولما وصلوا إلى قرية الحديبيّة القريبة من مكة علمت قريش بقدوم الرسول وصحبه، فرفضت السماح لهم بدخول مكة، فبعث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى زعيم قريش أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحربهم وإنما جاء زائراً للكعبة ومعظَّماً لحرمتها..‏ فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم ما أرسله به، فقالوا لعثمان حين فرغ من الرسالة‏:‏ "إن شئت أن تطوف بالبيت فطف". فقال‏:‏ "ما كنت لأفعل حتى يطوف رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم".
    واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول اللَّه والمسلمين أنهم قتلوا عثمان، ولما لم يكن قتل عثمان رضي اللَّه عنه محققاً، بايع النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم عنه على تقدير حياته،‏ وفي ذلك إشارة منه إلى أن عثمان لم يُقتل، وبايع القوم لقتال قريش رداً على ظاهر الإشاعة، فوضع يده اليمنى على يده اليسرى وقال‏:‏ ‏"اللَّهم هذه عن عثمان".
    وكان ظنُّ المسلمين أنّ الكفار قتلوا عثمان، فاجتمعوا حول نبيهم ايعوه على القتال حتى الاستشهاد في سبيل الله، وفيهم نزل قوله تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحًا قريبًا} (الفتح: 18).
    فعلمت قريش بهذه النية، فخافت وأطلقت عثمان على الفور.



    ‏‏ 30 - توليه الخلافة

    تولى عثمان رضي الله عنه الخلافة وعمره يقارب السبعين، وكان ذلك بعد مقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة 24 هجرية، وفي اختياره للخلافة قصة تعرف بقصة الشورى، وهي أنّه لما طعن عمر بن الخطاب دعا ستة من كبار الصحابة، وهم: علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم، ليختاروا من بينهم خليفة.
    وذهب هؤلاء الصحابة الكرام للقاء عمر إلا طلحة بن عبيد الله فقد كان في سفر، وطلب منهم عمر أن يختاروا خليفة من بينهم في مدة أقصاها ثلاثة أيام من بعد وفاته، حرصاً على وحدة المسلمين، فتشاور الصحابة فيما بينهم ثم أجمعوا على اختيار عثمان، وبايعه المسلمون في المسجد بيعة عامة، فأصبح ثالث الخلفاء الراشدين، بموافقة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومبايعته له.
    وكان ثالثاً: قصص إسلامية

    أ- أبو بكر الصديق والرسالة الإلكترونية

    12 – عبدالله يعود من المدرسة حزيناً
    13 – أمر لا يُصَدَّقُ
    14 - عبدالله يخبر أباه
    15 - سباق في الخير
    16 – حياته قبل الإسلام
    17 – الأم تقول كلاماً مهماً
    18– رجل لا يعرف أصحابه جيداً
    19 - مصاهرات بيت النبوة وأبي بكر
    20 – مدونة على الإنترنت
    21 – الخلاف مع فاطمة
    22– الصِّدِّيقُ مَنْ مِثلهُ
    23 – اللحظات الأخيرة في حياته




    12 – عبدالله يعود من المدرسة حزيناً

    سَألت الأمُّ ابْنَها العَائِدَ مِنَ المَدْرسةِ، وقد رأتْ على ملامحه سمات الحُزن.. وأماراتِ الغضب.. "مَا بِكَ يَا عَبدَالله! تبْدو مَهْمُومَاً حَزيْناً..".

    اِبتسمَ عبدُالله ابتسامة هي أقربُ للأسَى منها للرِّضا.. فهالها ما رأت في عينيَّ ابنها.. اللتين كانتا تلمعان من أثر دموع مختنقة.. ونظراتٍ حيرى..
    ضمَّتِ الأمُّ ولدَها في حنان..
    "ما هذا الأمر الجلل الذي يقلقك؟؟ هل من مشكلة؟ هل عجزت عن حلِّ مسألةٍ فأَغْضَبتَ مُدرسك؟ هل نلتَ درجة ضَعيفة؟"...
    ثمَّ اسْتدْرَكت قائلة: لا يمكن.. فأنا أعرفُك مُجْتهداً.. ولنفترضْ أنْ شيئاً من هذا حَدثَ؛ لا بأسَ عليكَ.. فسوفَ تعوّضُ تَراجعك بدرجةٍ أحسنَ مِنْها.. لا تقلق يا ولدي..
    نظرَ عبدالله في عينيِّ أمِّه.. مَسْرُوراً راضِياً.. ولكن بأسى..
    ضمَّها إلى صَدْره بقوَّةٍ كطفلٍ صَغير تاه في الطريق ثمَّ وجدَ أمّه.. وهو يخشى أنْ يفقدَها مرَّةً ثانيةً.. وردَّدَ مُطمْئِناً لها: "لا يا أمي.. لا.. لم يحدث من هذا شيء".
    زادَ جوابُ ابنِها قلبَها قلقاً.. "إذنْ ما الذي أهمّك وأغمَّك؟ هلْ منْ صَديقٍ أصَابه ضرر؟ أو مِنْ حادثٍ أصابَ أحداً تعرفُهُ.. وَهَلْ...؟؟".
    قاطعها عبدالله في أدبٍ: "لا يا أمِّي. لمْ يحدثْ من كلِّ هذا شيءٌ..".
    فقالت: "ماذا إذنْ!.. لقدْ تقطَّعَ قلبي".
    هزَّتْ هذه الكلمةُ وجْدانَ عبدالله فأنشأَ قائلاً: "سلامَةُ قلبُكِ يا أمِّي من كلِّ سوء.. بلْ أنَا مَنْ تقطَّع قلبه لِمَا سمعتُ وقرأتُ وعلمتُ".
    "ماذا؟ وما هذا الذي سمعتَه وقرأتَه وعلمتَه وسبَّب لك كل هذا السوء؟"..
    صَاحَتْ الأمُّ وقد نَفدَ صَبْرُها وارتجفَ صَوتها وأعياها القلقُ..
    ثمُّ تابعتْ:" قلْ يا حَبيبي.. مَاذا هَنَاك؟".
    أخرجَ عبدالله مِنْ جَيبه ورقة مَطويَة.. "هذه ورقة أعطاني إياها صَديقي عاصَم.. وَجدها بالأمس في بريده الالكتروني.. وقد رأيته صباحاً مغموماً أكثر مما ترينني الآن.. وَقرأتُ هذه الوَرْقةَ فكاد يُغشى عليَّ منْ هول الصَّدمة"..
    فتحتِ الأمُّ الوَرَقةَ بِحَذَرٍ.. قرأتِ الأمُّ.. سادَ صَمْتٌ مهيب.. للحظات..
    أشَاحَتِ الأمُّ وَجهها.. دَمَعَتْ عَيناها.. ثم قالت: "ما أبشع هذا الكلام.. وهل صدقته؟".



    13 – أمر لا يُصَدَّقُ

    رَفعَ عَبداللهِ رأسَهُ بكُلِّ اعْتزاز وفخر.. وقالَ بصوتٍ واثق ثابتٍ:
    لا يا أمِّي.. هذا أمْرٌ لا يُصَدَّقُ.. لكنّي لم أكنْ أظنُّ يوماً أنَّ أحداً ينكِرُ أمَانَة أفضَلِ النَّاسِ وَخَيرِ النَّاسِ وأعدلِ النَّاسِ... "كفى يا حبيبي.. كفى.. هذه مسألة سيئة، وتُهَمٌ بعيدةٌ عَنْ تفكيرنا... حتى لو لمْ نَدرُسْ التاريخ ونفهمه..".
    ثم قالت: لكنَّ عليكَ أنْ تعلم أنَّ هذا الأمرَ محدودٌ جداً، ومعظمُ النَّاس من المُنْصفين يرفضونه، وكثيراً من العارفين - عند كل الناس وفي كل مكان - لا يقبلون هذا الكلام.. وبَعضُ القليل لا يغلب الكثير.. فلا تحزن... فقد قالها له صاحبه (صلى الله عليه وسلم) قبل أكثر مِنْ ألف وأربعمئة عام، بنص القرآن الكريم: {لا تَحْزَنْ إنَّ اللهَ مَعَنَا}.. والنَصُّ القرآني لا يغيّره ولا ينسخُه إلا الله تعالى، أو يأمر نبيهُ بذلك.. وهذا لم يقلْ به أحدٌ منَ الناس.. فلا تحزنْ يا ولدي..
    كانَ عبدالله يَعرف أنَّ أمَّه تَقرأ كثيراً من الكتب.. وخاصَّةً في التاريخ..
    فقالَ لها: لمَاذا لمْ تخبريني مِن قبلُ أنَّ هناكَ من يشكِّكُ بعدالة صَحَابَةِ رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) الأقربين.. وبعدالةِ خلفائِه الراشدينَ خاصةً.. وأبي يذكِّرني دوماً - مع أنني لا أنسى - أنّه سَمَّاني (عبدالله) على اسم أبي بكر الصِّديق (رضي الله عنه) ويناديني دائماً بكنيته.. فكيفَ يقولون عنه ذلك يا أمي.. كيف؟؟ كيف؟؟
    في هذه اللحظةِ وَصلَ الأبُ إلى البيتِ ومعهُ ابنته نورة التي يحضرها من المَدرسة وهو عائدٌ مِنْ العمل ظُهْرَ كلِّ يومٍ.. لأنَّ مدرستها بعيدة بَينَما مدرسة عبدالله قريبة ويعودُ منها سيراً على قدميه..
    "السلامُ عليكم يا أغلى الناس"..
    دخلَ الأبُ وعلى شفتيهِ ابتسامته المُعْتادة.. وضعَ حقيبتهُ جَانباً.. اقترب وَسَلم على زوجته وابنه.. وهرولتْ نورَة نحو أمِّها تحضَنها وتقبِّلها...
    "هاه يا أصدقاء.. ماذا سَنأكل اليوم؟"، قالَ الأبُ مُشيراً إلى بطنه: هيا.. بطني يعزف ألحانُ الجوع.
    قالتِ الأمُّ ضَاحكة: لا طعام لكم اليوم.. جوعوا.. جوعوا...
    نورة لم تدْرك أن أمَّها تمازحهم.. فصاحت: سأموت من الجوع..
    "حاضر يَا نورة.. من أجلك أنت فقط يا حلوتي... دقائق ويكونُ الطعامُ جَاهِزاً..".
    قالت الأمُّ والضحكة تملأ كلماتها..




    14 - عبدالله يخبر أباه

    بعد الغداء قالتِ الأمُّ مخاطبةً ابنهَا عبداللهِ والأسْرةُ الصَّغيرةُ مُجْتمَعة لتناول الفاكهة:
    مَا رأيكَ يا أبَا بكر أنْ نخبرَ أبَاك عنْ الرَّسالة الإلكترونية.. التي أعطاك إيَّاهَا صديقك عاصِم..
    تلفَّتَ عبدالله وعلى وجهه تبدوْ حَيرة لمْ يفهم الأبُ مَغزاها..
    نظر الأبُ إلى ابنه مُتوجِّساً.. وكانَ قدْ لاحظ حزن ابنه من قبلَ لكنَّه لمْ يتكلم.. فقالَ لهُ عبدالله: أليسَ اسْمي عبدالله يَا أبي؟
    قالَ الأبُ ضاحكاً: نعم! إلا إذا كانَ لك اسْمٌ لا أعْرفه..
    قال: أليستْ كُنيتي أبا بَكر؟
    قال: نعم بالتأكيد!
    والأبُ مُتعجبٌ مِنْ ابنُه يَسْألهُ أسْئلة يعرفُ إجاباتها! لكنَّه ترقَّبَ مَا وراءَ هذه الأسْئلة..
    فقالَ لهُ: ثمَّ مَاذا؟
    قال: ما رأيك إذنْ في منْ يتهم من شرَّفْتَني بحملِ اسْمَهِ ولقَبَهِ ويصفهُ بأوصافِ سوءٍ..
    فهم الأب قصد ابنه وقال: يا بني، إن الصديق أبا بكر أفضل الأمة بعد النبيين ولا نقول عنه إلا خيراً.. فهو الصَّاحبُ الأمينُ.. وَهوَ الصِّدِّيق الصَّدِيق... وابنته أمُّ المؤمنين عائشة.. وتاريخُه مليءُ بالعطر.. وَهَذا حقٌ واضحٌ جَلي..
    قال عبدالله: لماذا لم تخبرني بما يقال عنه من سوء من قبلُ يا أبي؟
    نظر الأب إلى ابنه.. وعلى وجهه ترتسم علامات الحزن من الفكرة، ومعها تظهر علامات الفرح من رجاحة عقل ابنه وتفكيره بما يجري من حوله..
    ثم قال الأب: وهلْ صدَّقتَ ما سمعتَ وقرأت يا أبَا بَكْر؟
    قال: بالطبع لا.. لكنَّ الأمر شغلني كثيراً.. وطوال اليوم وأنا أفكر فيه.. حتى إنِّي ولأوَّل مرَّة أهمل الانتباه لشرح المدرِّس داخلَ الفصْل، فقد كان الموضوع يشغَلُ قلبي.. ولكني لن أفعل ذلك مرة ثانية.. فلا بد أن انتبه جيداً داخل الفصل..
    سَألهُ الأبُ: هذا صحيح يا ولدي.. ولكن بِمَ فكَّرْتَ؟
    قال عبدُالله: قلتُ في نفسي: إنَّ نبينا مُحَمَّداً (صلى الله عليه وسلم) اختار أبا بكرٍ في أعظم رحلةِ عرفتها البشرية، وهي الهجرة النبوية الشريفة.. فهل يعقل أنْ يُصاحبَ منْ لا يأمنُهُ بهذه الأمانة العظيمة.. ثمَّ إنَّ رسولَنا الكريمَ تزوجَ ابنتَه عائشة رضيَ الله عنها.. فهو الصَّاحبُ وهوَ العمُّ.. وابنته أم المؤمنين.. وكيف نشكّ بمن اختاره رسولنا الأمين للصلاة بالنَّاس في مرضِ موته! فاغْتمّتْ نَفسي وَبَكيتُ..
    قال الأبُ: هدئ من رَوْعِكَ يا بنيَّ.. ما قلتَه شديدُ الأثر في نفسي.. لكنِّي لم أكن لأقولَ لكَ ما يحزنك ولا يفيدك.. وأنا أحرصُ على قول ما يبهج قلبك.. أليس كذلك؟
    ثم تابع: ما رأيك.. بدلاً من أن نحزن ونأسى ونبكي.. ما رأيك لو تعاملنا مع هذا الواقع بتفاعل إيجابي؟
    "آه.. يا عبدالله.. لقد أتيتَ بالتعبِ لنفسك.. ترقب إذنْ ما سيفعلُه أبوكَ بك.. وتحمَّل.. فأنت السبب".
    قالت الأمَّ ذلك وهي تدرك أنَّ أبَا عبدالله لا يُضيعُ فرصةً واحدة دون الاستفادة والعلم..
    وحال لسانه يقول مثل الشاعر:
    إذا مرّ بي يومٌ وَلمْ أصْطنعْ يَداً وَلمْ أسْتَفِدْ عِلْماً فَمَا ذاكَ مِنْ عُمُري‏
    فقال الأب ضاحكاً: هذا بالفعل هو شعاري.. فما رأيكم مَا دَامتِ العُطلة الأسبوعية قدْ بَدأت.. أنْ نَشغلَ أنفسنا اليومَ وَغداً بذكر رواياتٍ وأحداثٍ وأقوالٍ في سيرةِ هذا الرَّجلِ العظيم، الذي قيل عنه إنَّه أعظمُ النَّاس بعد الأنبياء والرسل.. فيجمع كلُّ واحدٍ منَّا معلومات لنتبارى أيُنا أكثر معرفة بهذا القائدِ الكبير...
    قالتْ نورة: يا لها من فكرة رائعة.. سنقضي نهاية أسبوع بديعة.. هل يعني أننا لن ندرسَ دروسَ المدْرَسَةِ..
    قال الأب ضاحكاً: هذا هو همُّك الوحيد يا نورة.. لا تخافي.. لن نتركك تهملين ما عليك من واجبات.. لكنَّنا سنخصص وقتاً كافياً للبحث في هذا الموضوع.. وسنجعل نزهتنا هذه العطلة في ساحة العلم والتفكير..
    الأم: لنبدأ إذنْ من هذه اللحظة.. وليُحْضرْ كلٌّ منا كتاباً من المكتبة، فلدينا كتبٌ كثيرةٌ في التاريخ الإسلامي..
    قالتْ نورة بحماسةٍ شديدةٍ: أنَا عِنْدي فِكرة.. ما رأيكم أنْ نكتبُ المعلومات التي نجمعها على الكمبيوتر ثمّ نقوم بإرسالها إلى أصدقائنا على الإنترنت لننشر الأخبار الصحيحة.. وبذلك نكونُ إيجابيين حقاً، نُفيدُ ونستفيدُ..
    قال الجميع: فكرة رائعة.. هيا نبدأ..




    15 - سباق في الخير
    قاموا جميعاً يتسابقون..
    أحضر كلُّ واحدٍ مِنْهُم عَدداً مِنَ الكُتبِ ولم يكتفِ بكتابٍ وَاحد..
    جَلسوا إلى طاولةٍ كبيرةٍ.. وضعوا الكُتُبَ بعضها فوق بعض.. وبدأوا يبحثون..
    قال الأب: هيا.. نبدأ البحث الأول: متى ولد أبو بكر الصديق؟ هيا.. أجيبوني..
    قالت الأم: يا زوجي العزيز.. هذا سؤال بسيط لا يحتاج لبحثٍ ولا تدقيقٍ أو تمْحِيص فكلنا نَعرف الجَوَابَ..
    قالَ الأبُ: ومع ذلك ستكون هذه النقطة منطلق عملنا فمن يقول الجوابُ.. ما رأيُك أنتِ يا نورة؟
    نورة: نعم يا أبي.. كما تريد.. كانت ولادته رضي الله عنه بعد عام الفيل بسنتين أو ثلاث.. على خلاف.. فهو أصغر من رسولنا الكريم ما بين سنتين أو ثلاث.. والله أعلم..
    عبدالله ضاحكاً: ماشاء الله.. ماشاء الله.. إجابة ممتازة... حسناً.. حسناً.. لكنَّنا نعرف ذلك ولنْ نَحسبها.. أليس كذلك يا أبي؟
    يَضحَكُ الأبُ ويقولُ: طبعاً لنْ نحسبْها.. لكننا نحب أنْ نستذكر ما نعرفه كيلا ننساه.
    ثم تابع حديثه قائلاً: حسناً.. من يعطيني شيئاً جديداً فريداً..
    قالتْ نورَة: هل تعتقدون أنني لا أعرف.. أنَا سَأعطيكم شيئاً جديداً فريداً.. اسْمعوني جيداً.. أليستْ ابنتهُ هي زوجةَ الرسولِ الكريم.. والزوجة منْ آل البيت، كما هو مُقَّرر ومعلوم.
    الأم: جميل.. جميل.. تابعي.
    نورة: هو الوحيد الذي ورد ذكره في القرآن الكريم {صاحباً} محدداً للرسول الكريم.. وهذا أمرعليه إجماع ولا ينكره أحد بأنّه كان الصاحب في رحلة الهجرة المباركة.. كما أنَّ القرآن امتدح ابنته الشريفة الطاهرة.. لأنَّ زوجات الرسول أمهات للمؤمنين.. فهل بعد هذا من فضل؟
    عبدالله: ما أروعك يا نورة.. أعجبني كثيراً ما قلت.. والكلام من بعدك صعب.. لكنني سَأحاول أنْ أباريك بالقول فاسمعي وعي:
    هو بينَ الرِّجال أوّلٌ؛ أوَّلٌ فيمَنْ أسْلمَ.. وأوَّلٌ بين من أحبَّ الرسول (صلى الله عليه وسلم).. ما رأيكم.. هل أتابع؟
    الجميع بصوت واحد: تابع... تابع..
    قال الأب: أبدعت يا ولدي.. هيا قل ولا تتوقف.
    قال عبدالله بعد أن تنحنح واعتدل في جلسته ورفع رأسه مزهواً بنفسه:
    نتبع الأوائل بالقول: هو أوَّلُ خليفة.. وأوّلُ من جمع القرآن في كتاب.. وأوّلُ من صدَّقَ بالرِّسَالة ومعجزات الرسول من الرجال فعُرفَ بالصِّديق.. وأوُّلُ من أظهر الإسلامَ علناً دون رهبة ولا خوف.. وهو أوَّلُ الوزراء.. وأوَّلُ من صلى بالناس بأمر الرسول الكريم عند مرض وفاته.. وأوَّلُ من واسى النبي بماله ونفسه، وأوَّلُ من كان يتكلمُ بحضرةِ الرَّسُول (صلى الله عليه سلم)... وهو المستشار العسكري الأوّل.. وأوّل شاهد على صلح الحديبية... وأخيراً وليس آخراً: هو أوُّل من دُفن في جوار النبي (صلَّى الله عليهِ وسلَّم).. ثمَّ تبعه إلى هذا الجوار الشريف خليفته أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.. ولم يسكن في جوارهما أحد من الخلق..
    وهو أوَّلُ وآخرُ من أوصى لخليفة واحدٍ محددٍ من بعده بين الخلفاء الراشدين..
    فهل بعد هذا كلام؟؟
    الأم وقد دَمَعَتْ عيناها: رائع ما قلت يا عبدالله.. جميل هذا الجمع من الأوائل عند أبي بكر .. فحياة أبي بكر كانت كلها تدل على أنّهُ السَبَّاقُ في كل شيء.. وهنالك كثير من الأحداث التي تؤكدُ ذلك.. كانتْ حياتُه عامرةً بالعطاءِ والسبق إلى الخَير.. وَلوْ رَوَيْنا عنه جزءاً يسيراً مما وردنا من القَصَص لما كفتنا عُطلاتِ نهايةِ الأسبوع فقط..
    قالتْ نُورة ضاحكة: إذنْ لنمْنَحْ أنفُسَنا عُطلاتٍ كثيرةً..
    فضحك الجميع منْ قوْلِها...


    16 – حياته قبل الإسلام

    هُنا قالتْ نورَةُ: لقد تحدثنا عن أشياءَ كثيرة.. لكنَّنا لمْ نتحدثْ بعد عن نشأة أبي بكر وحياته في مكة قبلَ الإسْلام.. ما رأيكم أنْ أحدثكم عن ذلك.. أمَامي نصٌّ جميل يروي بعضاً من حياة الصِّديق في تلك الفترة..
    قالتِ الأمّ: فعلاً نريد أنْ نعرفَ ذلك.. هيا غرِّدي يا عصْفُورَتي الصَّغيرة.
    بدأتْ نورة تتكلم بصوتها العذب الجميل: نشأ أبو بكر رضي الله عنه في مكة المكرمة، ولما جاوز سنَّ الصبا عمل في بيع الثياب ونجح في تجارته وحقق الربح الوفير. وكانت تجارته تزداد اتساعاً فصار من أثرياء قريش؛ ومن ساداتها ورؤسائها.
    وتزوَّج في مطلع شبابه من (قتيلة بنت عبد العزى)، ثم تزوَّج من أم رومان بنت عامر بن عويمر. وكان يعرف برجاحة العقل ورزانة التفكير، وكان ممن حرموا الخمر على أنفسهم في الجاهلية، وقد أجابَ الصِّديق من سأله: هل شربتَ الخمرَ في الجاهلية؟ بقوله: أعوذ بالله، فقيل: ولم؟ قال: كنت أصون عرضي، وأحفظ مروءتي، فإنَّ من شربَ الخَمْرَ كان مضيّعاً في عرضه ومروءته، كان يعيش في الحيِّ نفسِه النبيُّ محمَّد (صلَّى الله عليه وسلم)، ومن هنا بدأت صداقتهما، حيثُ كانا متقاربين في السن والأفكار والكثير من الصفات والطباع.
    وتابعتْ نورَة تقول: وقد اشتهر الصِّديق بعدة أمور منها:
    اشتهر أولاً بعلم الأنساب، وكان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها، وكان في الجاهلية تاجراً، وكان ينفق من ماله بسخاء وكرم عرف به في الجاهلية.
    وعلق عبدالله قائلاً: يا سبحان الله.. من كانت هذه خصاله في الجاهلية كيف تكون خصاله في الإسلام.. صدق رسول الله، خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا ).
    قالت نورة: صحيح قولك.. استمع إذن إلى ما سأتبع به كلامي.. الصِّديق رضي الله عنه من القلة القليلة في الجاهلية الذين لم يسجدوا لصنم أو تمثال.. وقد قال: ما سجدت لصنم قط، وذلك أني ناهزت الحلم فأخذني أبو قحافة (يعني أباه) بيدي وانطلق بي إلى مخدع فيه الأصنام، فقال لي هذه آلهتك الشّم العوالي، وخلاني وذهب، فدنوت من الصنم وقلت: إني جائع فأطعمني.. فلم يجبني، فقلت: إني عار فاكسني.. فلم يجبني، فألقيت عليه صخرة فخرّ لوجهه.




    17 – الأم تقول كلاماً مهماً

    فرحَ الأبُ وفرحَتِ الأمُّ بهذا الحوار المفيد وقدْ رأيَا السُّرورَ في عينيّ عبدالله ونورة..
    فقالتِ الأمُّ: هلْ تسمحوا لي أنَّ أتحدثََ الآنَ:
    الأبُ توجَّه إلى طفليه قائلاً: ممممم.. يبدو أنَّ لدى أمُّكما كلاماً مهماً عميقاً.. مَا رأيكما؟
    عبدالله ونورة بصوتٍ واحدٍ: تفضلي... منبرُ الكلام لكِ.
    الأمُّ: شكراً لكمَا.. المَسْألة أنَّ الكلامَ عن شخصيةِ أبي بكرٍ وبُطولاته قدْ يشكّكُ البعض فيها ولا يقبلها.. ومهما جمعنا من كلام وعِبَر وقصص قد يعترض من يعترض.. فلا تنفع كل الرسائل الإلكترونية ولا الرسائل العادية.. لذا علينا أن نجمع ما لا يمكن إنكاره..
    ثمَّ تابعتْ: لو نظرنا إلى الصُّحْبةِ الغالية في الهجرة الشريفة.. فهل يمكن لرسول الله عليه وعلى آله أفضلُ الصلاةِ والسَّلام أنْ يختارَ رفيقاً لدربه الطويل ولا يعرف جيداً هذا الرفيق.. ثم لو شككنا باختيار النبي لرفيق دربه الطويل.. وصحبته الطويله؛ فكيف نشكك بوصفأبي بكر صاحباً من السماء.. ثمَّ بلْ كيفَ يُخْطِئُ الرَّسُولُ في اختيار صاحبه كلَّ هذه السنين.. ثمَّ إنَّّ الرَّسولَ معصومٌ عن الخطأ.. فهل يمكن أنْ يَختارَ صَاحباً في أعظم رحلة في التاريخ ويكون الرفيق غير رفيق... ألا ترون عُمُقَ المسألة؟
    ثمَّ.. إنّ الرحلة من مكَّة إلى المدينة أخذتْ أياماً عديدةً زادتْ عن سبعة أيام.. ومن الكتب من يرفعها إلى أكثر من عشرة أيام.. فهلْ يمكنُ أنَّ رجلاً كأبي بكر رَضِيَ الله عنه.. بهذه القامة العالية بما عُرفَ عنْه في الجاهلية من امتناع عن عادات كانت سائدة مثل شرب الخمر والسجود للأصنام وغير ذلك من عادات جاهلية.. واستجابته لدعوة الإسلام فور تبلغها من رسول الله.. ويعيشُ إضافة إلى ذلك نحو عشرة أيام بلياليها.. مع نبي.. وليس نبياً كسائر الأنبياء والرسل.. لوحدهما.. يأكلان معاً.. ينامان معاً.. يتكلمان.. يفكران معاً.. ويتبادلان الأفكار.
    ثمَّ قالتِ الأمُّ بصوتٍ عال: يا لها من نعمة استحقها هذا الرجل؛ ... تصوروا هذه النِّعمة العظيمة.. فأنَّى لهذا الرَّجل أنْ يخالفَ أمرَ صاحبه (صلى الله عليه وسلم) عند موتِه.. ليس بعد فترة طويلة.. بل بعد أقل من ساعة كما يقال؛ فهل يمكن لهذا أنْ يحدثَ عقلاً؟؟ خاصَّة أنَّه عاشَ مَعَهُ سنواتٍ طوالاً في الإسلام إضافة إلى صداقتهما في سنوات ما قبل البعثة.. وإذا أضفنا أيْضاً هذه الأيام الخاصَّة جداً إلى كل تلك السنين..
    مع خصوصيةٍ شديدةٍ لأيامِ الهجرةِ، هذه الرحلةُ العظمى..
    فهلْ يُعقلُ أنْ يتغيّرَ هذا الرجلُ في أقلَّ مِنْ ساعة واحدة من موتِ صَاحِبه؟؟ ويصبح كل همه الدنيا وطلب الملك!
    وهلْ الرَّسولُ الكريمُ لا يعرف كيف ينتقي أصحابه ولا يعرف من يصاهر.. ومن يتزوج؟؟
    معاذ الله أن يكون كذلك..
    وقد ورد صدقاً في كلماتٍ مختلفة في الشكل متحدة في المعنى؛ أنّ الرسول الكريم (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) قال: "إنّ أمنَّ النَّاسَ عليَّ في ماله وصُحْبَته أبو بكر، ولو كنتُ مُتخذاً خَليلاً غَيْرَ ربي لاتخذتُ أبَا بَكر خليلاً، ولكنْ إخوَّة الإسلام..".
    فهل الرسول ينطق عن هوى في هذه المسألة بالغةِ الخطورةِ..
    أمَّا القول بأنَّ أبا بكر رَضي الله عنه تغيَّر من حال إلى حال ضده بعد ساعة أو أقل من وفاة رسولنا الكريم.. فأمرٌ يدعو إلى التفكير؟
    وإذا قيل إنَّه كان متغيراً من قبل ففي ذلك اتهام للرسول صلى الله عليه وسلم..
    وكذلك لو قلنا إنَّ أبا بكر كان يضمر ما في قلبه ولا يكشفه.. فكيف والرسول قد أعلمه الله بكل منافق في المدينة قريباً وبعيداً.. فهل يعقل أن يخفي عنه حقيقة أبي بكر.. فإمّا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم هذه الحقيقة وأخفاها.. فكيف وهذا باطل إِذْ كيف يأمره بالصلاة بالنّاس وهو يعلم ما في قلبه وما سيحدث من خلاف من بعده؟؟ وهلْ هُنالكَ أعظمُ منَ الصَّلاة.. وهل ولاية الدنيا أعظم من ولاية الآخرة؟؟
    وإما أنَّ الرَّسول الكريم يجهل هذه الحقيقة، وجاء من بعده من يكتشفها.. فهل يصلح ذلك في مقام محمد صلى الله عليه وسلم؟!
    فصاح الأب دون أنْ يتمالك نفسه: بورك هذا الكلام.. وهذا التفكير.. ما أعظمك من زوجة؟؟
    ثم ساد صمت..
    ثم قالتِ الأمُّ بعد أنْ هدأتْ حَماسَتُها: هناك إضافة أخيرةٌ مهمة جداً سأقولها لكم، وهي أنَّ أبا بكر (رضي الله عنه) هو من القلة النادرة بين صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذين أسْلمَتْ أسَرُهُمْ جميعاً.. فقد آمن كل آل بكر بدءاً من أمِّه وأبيه ثم أولاده.. وهو الوحيد الذي تشرّفتْ أسرتُه جميعها برؤية رسول الله حتى أحفاده رضي الله عنهم جميعاً، وليس من الصَّحابة من أسلم أبوهُ وأمُّهُ وأولادُهُ وأدركوا النبيَّ الكريمَ وأدركَهُ أيضاً أحفاده.
    ثم قالت الأم بصوت مليء بالخشوع والطمَأنِينةِ: إنَّ الله يُكرمُ منْ عباده من يشاء.. وأبو بكر من المكرمين الأجلاء في الدنيا قبلَ الآخره..
    قال أبو عبدالله:
    بارك الله بك يا زوجتي الحبيبة.. ما أجمل هذه الدرر التي نثرتها في قلوبنا قبل عقولنا.. ما شاء الله.. أبدعت فيما قلت.. بت أحسد نفسي عليك..
    الأم: ضاحكة: من بعض ما عندكم يا أبا عبدالله..
    الأب: إذن فقد جاء دوري.. فترقبوا ما سأقول..



    18– رجل لا يعرف أصحابه جيداً

    سأل الأبُ دونَ أنْ يَنْتظرَ منْهُم جَواباً: هلْ يُعْقلَ أنَّ رَسُولنَا الكريم، وهو لا ينطق عن الهوى، لا يحسنُ اختيار زوجته ولا أزواج بناته ولا حتى أصحابه المقربين.. وخاصة أبي بكر وعمر وعثمان.. وأبو بكر أشدّ النَّاس قرباً منه بشهادة القرآن الكريم - ولو ورد أنَّ أنبياءِ آخرين في أزواجهم أو أولادهم سوء وكفر فإنَّ هذا لا يليق ولم يثبت بحق رسولنا الكريم، فهو أعظم الخلائق جميعاً - فهل يعقل أنْ يختار الرَّسول رفيقاً في أعظم رحلة في التاريخ.. وهي الرحلة التي ستحدد مصير هذا الدين.. هل يعقل أنْ يصحب رجلاً سينقلب عليه بعد موته؟؟ ولو قال قائل إنّ هذا حدث بعد موته.. فهذا أمر فيه غرابة..
    فهل يتغير الحال بهذا الشكل والرسول الكريم لم يُدفن بعد؟؟
    ثم أينَ أهلُ المَدينة كلهم؟؟؟ بَل أينَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه؟؟ وهل سكوتهم عن الحق في هذه الظروف حكمة وفضيلة.. ولماذا لم يطالبوا بالحق ما دام حَقاً؟
    اهتزت أطراف الأب وهو يتكلم..
    ثمَّ وقف رافعاً سبابته: أنا رجلٌ بسيط ضعيفُ البُنية.. ولستُ رياضياً ولا مُصارعاً.. وحتَّى لا أمَارسُ السِّباحة أو الركضَ.. لكنِّي لا أتصوَّر، وأنا رجل في الخمسين وأعيش في القرن الواحد والعشرين، أنْ يأتي رجلٌ يطرقُ بابَ بيتي... وأنا جالس على أريكتي.. ولا أقوم وافتح الباب.. وليس ذلك فقط؛ يدفعُ الرجلُ البابَ باتجاه أمِّكم ويكسر ضلعها ولا أقوم وأكسر كلَّ أضلاعه.. فكيف وهذا الزوج هو علي بن أبي طالب وهذه الزوجة هي فاطمة بنت محمد رضي الله عنها وصلى الله على أبيها.. وعليّ فارس الفرسان.. وبطل الأبطال.. وليس ذلك فقط.. يحدث كلّ هذا أمام مرأى الصحابة الكبار.. ويعرف بالحادثة أبو بكر الصديق.. ولا يفعل أحد شيئاً لرد اعتبار ابنة الأمين صلى الله عليه وسلم.. قولوا بربكم.. كيف يحدث هذا؟؟
    ولو قيل أن علياً لم يكن موجوداً.. حتى ولو كان غائباً.. لماذا لم يفعل شيئاً عندما عاد؟.. ولو قيل إن فاطمة منعته.. فهل هذا أمر ممكن.. يعني لو أنّ أمَّكم منعتني عن أحد أساء إليها هل امتنع؟؟.. لا يمكن.. بل مستحيل.. لأن المسألة مسألة كرامة.. وشرف.. وهنالك تهمة بالقتل.. بالقول إن من كان وراء الباب قتل الجنين الذي في بطن فاطمة رضي الله عنها..
    قالت نورة: هذه أوَّل مرة أسمع فيها هذا الكلام العجيب..
    قال عبدالله: وأنا أيضاً.. إنَّ عقلي المحدود يسأل الأسئلة نفسها؟ حتى وأنا طفل صغير لو أساء أحد لأمي سأهجم عليه ولو كان أقوى مني.. فكيف والحسن والحسين رضي الله عنهما في المنزل.. ولو كانا في ذلك الوقت صغيرين.. فالطفل في تلك الأيام مع صعوبة الحياة وقسوتها وشدتها يكون قوياً.. وليس مثلنا نحن أطفال القرن الواحد والعشرين..
    قالت الأم: لم نكن نحب أن نخبركما بهذه القصص الحزينة؛ كما أننا لا نحبُ أساساًً التكلمَ فيها...
    هنا قال عبدالله: سأحكي لكم هذه القصة التي حدثت قبل سنوات.. أذكر أنَّ صبياً ضربني مرَّةً في المدرسة وأنَا صغير.. فأقام أبي الدنيا ولم يقعدها، هل تذكرُ ذلك يا أبي؟؟
    لقد طلبتَ يومها من الناظر أنْ يَحضر ولي أمر الطفل بنفسه، وكانَ الطالبُ أكبرُ منِّي سناً.. ولم تقبلْ بأقل من اعتذار الطالب في طابور الصباح بحضور أبيه وجميع التلاميذ.. لأنَّ الصبيَّ ضربني في باحةِ المدرسةِ وأمَامَ الطلابِ لأني أوقعت له حقيبته وأنا أمشي دون أن أنتبه إليها، فغاظه ذلك ولم يقبل اعتذاري فهجم عليَّ وضربني..
    فإذا كانت كلُّ هذه الضجة قد أحدثتها أنتَ يا أبي وأنتَ رجل هادئ.. مع أمر بسيط مثل هذا.. فكيف بعليٍّ بطل الأبطال وسيد الرجال.. في تلك الحادثة العجيبة...
    قال الأبُ: جميلة هذه الملاحظة يا بنيَّ.. فأنا ما زلتُ أذكرُ تلك الحادثة.. لقد ظلمك الصبيُّ وأنا أكرهُ الظلمَ ولو على من يكرهني.. فكيفَ وقد وقعَ الظلمُ على أهل بيتي؟؟ فهل يعني هذا أنّ عنفواني أعلى من علي رضي الله عنه.. لا وربي.. ولن أقول هذه حكمة من علي.. لأنه ببعد نظره سيدرك أن هذه الحادثة لو حصلت فعلاً سوف تخلف منازعات في الأمة لن تتوقف..




    19 - مصاهرات بيت النبوة وأبي بكر
    قالت الأم: دعكم الآن من هذه القصص المُحْزنة، ومَا دُمْتَ يا زوجي العزيز تحدثتَ عن أهل بيتك.. ما رأيك لو تحدثنا الآن عن المصاهرات التي حدثت بين بيت النبي الكريم وبين بيت آل أبي بكر الصديق رضي الله عنه..
    قال عبدالله: فكرة جميلة يا أمي.. كنتُ أريد الحديث في هذا الموضوع.. فقد قرأت من قبل لوحة جميلة وضعها لنا المدرسُ في الفصل.. وفيها تأكيد من مصادر مختلفة لا يمكن إنكارها عن حدوث ست مصاهرات مشهورة بين آل البيت النبوي وآل الصديق رضي الله عنه.
    أمّا أشرفها فهو الزواج المحمدي من الصديقة عائشة رضي الله عنها.. وهذا سبط النبي وريحانته الحسن - وفي بعض المصادر الحسن - يتزوج حفيدة أبي بكر (حفصة بنت عبد الرحمن).
    ثم يتزوج أحد أحفاد الحسن (موسى الجون) بن عبدالله المحض بن الحسن المثنى من أم سلمة بنت محمد بن طلحة بن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي بكر.
    وتزوج الباقر في سنة 80 للهجرة تقريباً أم فروة بنت القاسم بن محمد لتنجب له جعفر الصادق.
    وكذلك تزوج إسحاق بن عبدالله بن علي بن الحسين من كلثم بنت اسماعيل بن عبدالرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر.
    أما من بيت جعفر الطيار فتزوج إسحاق بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب من أم حكيم بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر أخت أم فروة (أم جعفر الصادق) فتكون بذلك أم حكيم خالة جعفر الصادق.
    ثم قالتِ الأمُّ: ما أجمل ما جمعت يا ولدي.. من هو هذا المدرس الكريمُ الرائعُ الذي أتى باللوحة ووضعها على الحائط؟
    عبدالله: إنه الأستاذُ خالدُ.. مدرسُ القرآن الكريم..
    الأمُّ: بعد العطلةِ سأذهب بنفسي لأشكره.. وسوف أسألهُ من أين أتى بهذه اللوحة لأنني أريد الحصول على لوحة مثلها..
    الأب: بارك الله فيكِ يا زوجتي العزيزة.. بالفعل.. هو مدرسُ يستحق الشكر.. كما يستحقُّ الشكرَ من أنجز هذه اللوحة الكريمة..
    وتوقف الجميع عن الكلام.. وعادوا يقلبون صفحات الكتب يبحثون عن أشياء مميزةٍ..



    20 – مدونة على الإنترنت

    سرَّ عبدالله بهذا الكلام وقال:
    أود هنا قبل أنْ نبْدأ بسَرْدِ بعض أعْمَال الخليفة أبي بكر وإنجازاته العظيمة التي أداها في دولة ناشئة، وخلال سنتين فقط، مدة حكمه القصيرة، وهي إنجازات يعجز كثير من الناس عن إنجازها، ليس في عامين فقط لكن في عشرات بل مئات السنين..
    وقد جاءتني فكرة الآن وأنا أحدثكم.. وهي أنْ نعمل مدونة على الإنترنت بالرسائل التي نرسلها وخاصة الأحاديث التي تتحدثُ فيها عن فضائل أبي بكر رضي الله عنه.. وها هي أمامي مجموعة من الأحاديث الصحيحة التي وردت في الصحيحين سأذكر بعضها وهي ليست أهمها.. وهنالك الكثير الكثير غيرها.. سأكتفي بالقليل لنعرضه على المدونة ليطلع عليها أكبرعدد من الناس..
    قال الأب: فكرة رائعة.. هيا ابدأ وسوف نساعدك في كتابة النصوص وأنت تضعها على المدونة التي سنسميها مدونة (فضائل أبي بكر)..
    الأم: ولماذا أنتما فقط.. أنا ونورة معكما..
    نورةُ: بالطبع أنا أيضاً.. هيا يا عبدالله انطلق وكلنا آذانٌ صاغية.
    قال عبدالله بعد أن شرب قليلاً من الماء وقال بخشوع:
    كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه أبيض اللون نحيفَ الجسم، خفيفَ العارضين ناتئ الجبهة، أجود الصحابة، وهو كما قلنا سابقاً أوَّل من أسلم من الرجال وكان عمره تقريباً 37 سنة، وعاش في الإسلام 26 سنة. بويع بالخلافة يوم وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم في السنة الحادية عشرة للهجرة وأجمع الصحابة كلهم على خلافته.
    وراح عبدالله يروي تفاصيل البيعة فقال:
    بُويع رضي الله عنه في سقيفة بني ساعدة يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة للهجرةِ، وذلك حين ذهب هو وعمر رضي الله عنه وبعض الصحابة ليتشاوروا في أمر الخلافة، حتى قال عمر لأبي بكر: أبسط يدك، فبسط أبو بكر يده فبايعه، ثم بايعه المهاجرون ثم الأنصار، ثم كانت البيعة العامة في اليوم التالي.
    والمعلوم أنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم عظمت مصيبة المسلمين حيث كثر النفاق وارتدت بعض القبائل، والبعض امتنع عن أداء الزكاة، فأسرع أبوبكر الصديق رضي الله عنه لمداركة هذا الأمر العظيم قتل مسيلمة الكذاب الذي ادّعى النبوة بعد فترة وجيزة من خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وهرب طليحة بن خويلد إلى أرض الشام وكان ادعى النبوة أيضًا ثم أسلم في عهد عمر بن الخطاب، واستشهد من الصحابة نحو 700 رجل أكثرهم من القرّاء ما جعله يأمر بكتابة القرآن الكريم في الصحف، كما جهز رضي الله عنه الجيوش لفتح بلاد الشام..


    21 – الخلاف مع فاطمة

    رفع أبو عبد الله يده مستأذناً بالحديث ثم قال لزوجته.. بالنسبة للمسألة التي فيها إنَّ فاطمة طلبت ميراثها من أرض (فدك).. هل لديك يا زوجتي الحبيبة علم في هذا؟
    ضحكت الأم وقالت: هذه القصَّة تحتاج لبعض الكلام..
    الأب: تكلمي وهل هنالك من يمنعك؟
    الأم: كنتُ انتظر الفرصة لأتكلم فعبد الله لديه معلومات غزيرة عظيمة.. ما شاء الله عليه.. الله يحفظه..
    عبدالله: شكراً يا أمي.. لكني أريد أن أفهم قليلاً هذه المسألة..
    الأم: حاضر يا ولدي.. يقال إنَّ فاطمة طالبت بميراث أبيها عند وفاته.. فلم يقبل أبو بكر رضي الله عنه محتجاً بقول رسول الله بأن الأنبياء لا يورثون..
    ولكني أتساءل.. هل يمكن أن تأتي فاطمة بنت سيد الخلق بعيد وفاة أبيها مباشرة تطلب ميراثاً؟؟ وكيف تعادي أبا بكر لأمر شخصي ولا تعاديه لاتهامه بأنه أخذ الخلافة عنوة كما قيل.. وكيف يمكن أن يفعل أبو بكر ذلك بحضرة آلاف الصحابة الكرام.. وبذلكَ نتّهمُ أهْلَ المدينة كلهم مهاجرين وأنصاراً.. فهل يمكن أن يتواطأ كل هذا الجمع على الخداع؟؟
    ولو اقتنعنا بوقوع الحادثة.. فإن إقرار أهل المدينة لموقف أبي بكر يؤكد أنّ الحديث صحيح وهم يعرفونه ولا ينكرونه..
    الأم: أريد أنّ أقولَ شيئاً هنا.. لو افترضنا أنَّ الخليفة الأول لم يردَّ الأرضَ التي طالبت بها فاطمة على أساس أنّها إرثٌ لها من رسول الله.. فكيف وافقه عمر وعثمان على ذلك..
    بل إنّ علياً رضي الله عنه عندما تولى الخلافة لم يسلم أرض (فدك) إلى ورثة فاطمة.. أليس هذا يدعونا للتساؤل؟
    عبدالله: آه يا أمي.. من أين تأتين بهذا الأفكار؟؟!!
    نورة: هذا رأي ممتاز.. لكني أريد أن أتعرف أكثر على حياة أبي بكر وشخصيته.. من يفيدني بذلك؟
    الأب: أرى أن نتعاون جميعنا في هذا الجانب لأنّه موضوع متشابك وواسع.. ولنختر من بين ما نعثر عليه من أقوال وأحداث أبسطها وأفيدها..
    عبدالله: طلبك صعب يا أبي.. ألا ترى أن سيرة الصديق عامرة بالخير والعطاء؟
    الأب: ما دمت ذكرت لقبهُ الأشهر(الصديق) لنبدأ به الكلام.. والله يوفقنا لما فيه الخير..
    قالت نورة: نعم يا أبي.. لنبدأ.. ولكني متأكد أنّ هذا بحر.. عرفنا شاطئه.. ولكن عمقه وبعده أبعد.


    22– الصِّدِّيقُ مَنْ مِثلهُ

    الأبُ وهو يصفقُ بشدة: عظيم.. عظيم يا نورة.. ما أجمل ما سمعت منك من كلام..
    وتابع الأب: سأحدثكم الآن عن سبب تسميته بالصِّديق، مع أنِّي متأكد أنكم تعرفون السبب، واشير إلى قول مصعب بن الزبير رضي الله عنه: إن الأمة أجمعت على تسميته بالصديق.. أما ما يقال يا نورة عن أن الصديق ليس لقباً من ألقاب أبي بكر.. فهذه حكاية أخرى.. لا أريد التكلم عنها.. بل سأشير إلى الواقعة التي كانت سبباً لتسميته بالصديق، وذلك لموقفه الشهير يوم الإسراء والمعراج عندما جاءه المشركون يقولون له: هل لك إلى صاحبك؟ يزعم أنّه أسري به الليلة إلى بيت المقدس.. فقال الصديق: أوَ قال ذلك؟ قالوا له: نعم، فقال دون تفكير: صَدَقَ، إني لأصدقه بأبعد من ذلك.. بخبر السماء غدوة وروحه..
    عندها سماه رسولنا الكريم بالصديق واشتهر بذلك..
    الأمُّ: ما رأيكم أن نعود إلى ذكر فضائل هذه الشخصية الكبرى في التاريخ كله..
    قال الجميع: موافقون..
    قالت الأمُّ: فضائل أبي بكر الصديق كثيرةٌ وأعظمُ من أن تحصى.. ولكن من أهمها أنه ثاني اثنين كما جاء في القرآن الكريم في قوله تعالى: {ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا}.
    قال الجميع: صدق الله العظيم.
    تتابع الأم: يقول أبو بكر في هذا الموقف: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار لو أن احدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا : فقال: ما ظنُّك يا أبَا بكر باثنين الله ثالثهما.
    عبدالله: أبي.. أبي.. هل لأبي بكر ألقاب وأسماء غير هذا اللقب؟
    قال الأب: نعم يا عبدالله، من أسمائه العتيق.. ومعناه: عتيق الله من النار، وهكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم عندما دخل عليه أبو بكر فقال له: أنت عتيق الله من النار... ولذلك سمي عتيقاً.. ويقال إن العتيق تعني أيضاً جمال الوجه.. وغير ذلك.
    كما لقب أبوبكر بأنه سيد كهول أهل الجنة، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين، ما خلا النبيين والمرسلين، لاتخبرهما يا علي.
    وقال عنه النبي يوماً قولاً عظيماً، فعن عبدالله بن حنطب: أنّ البنيَّ صلى الله عليه وسلم رأى أبابكر وعمر فقال: هذان مني السمع والبصر..
    الأم: الله.. ما أجمل وأروع هذا الوصف..

    23 – اللحظات الأخيرة في حياته
    قالت نورة.. جميلة هذه المعلومات التي تتطاير من حولنا.. لقد مضى النهار.. وأمضينا وقتاً طويلاً وصلينا الظهر والعصر والمغرب والعشاء.. وما زالت قصص الصديق تترى بلا توقف.. هل تريدون الاستمرار حتى نصلي الفجر..
    يضحك الأب ويقول: آه منك يا نورة.. وماذا تبقى لك من قوة حتى تنتظري طلوع الفجر؟؟
    هيا ننام الآن لنكمل غداً حديثنا الشيق الطويل.. وربما نبدأ بعد صلاة الفجر مباشرة..
    قالت الأم: موافقة.. هذه أجمل عطلة نهاية أسبوع.. نقضيها في رحاب النبوة الطاهرة وبصحبة الصاحب الصديق...
    قال عبدالله: هل يمكن أن أضيف شيئا أخيراً:
    قال الأب: تفضل يا عزيزي..وأمرنا لله.. فأنت وصديقك عاصم وتلك الرسالة الإلكترونية سبب كل ما قمنا به في هذا اليوم الجميل من بحث جليل..
    قال عبدالله: أريد أن أختم لقاءنا هذه الليلة المباركة بذكر اللحظات الأخيرة في حياة الصديق، فقد كان أبو بكر يقول في لحظات حياته الأخيره لمن حوله من أقرب الناس إليه: انظروا ماذا زاد في مالي منذ دخلت الإمارة؛ فابعثوا به إلى الخليفة من بعدي..
    وتقول عائشة رضي الله عنها: نظرنا بعد وفاته فإذا بعبد نوبي وبعير كان يسقي بستاناً له فبعثنا بهما إلى عمر فقال: "رحمة الله على أبي بكر، لقد أتعب من بعده تعباً شديداً".
    وعن عائشة رضي الله عنها قالت: إنّ أبا بكر لما حضرته الوفاة قال: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم الإثنين، قال: فإن مت من ليلتي فلا تنتظروا بي للغد، فإنّ أحب الايام والليالي إلي أقربها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال لعائشة: اغسلي ثوبيَّ هذين وكفنيني بهما، فإنّما أبوك أحد رجلين: إمّا مكسو أحسن الكسوة أو مسلوب أسوأ السلب.
    وأوصى ابنته عائشة أن يدفن إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما توفي حفر له وجعل رأسه، عند كتف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألصق اللحد بقبر رسول الله.
    وصلى عمر رضي الله عنه على أبي بكر بين القبر والمنبر، وكبر عليه أربعاً.
    وقد توفي أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء لثمان ليال بقين من جمادى الآخرة سنة 13 للهجرة وهو ابن 63 عاماً رحمه الله ورضي عنه.
    ولمّا كان اليوم الذي قُبض فيه أبو بكر رجّت المدينة بالبكاء، ودهش الناس كيوم قُبض الرسول صلى الله عليه وسلم، وجاء علي بن أبي طالب باكياً مسرعاً حتى وقف على البيت الذي فيه أبو بكر مسجّىً فقال: (رحمك الله يا أبا بكر، كنت أوّل القوم إسلاماً، وأكملهم إيماناً، وأخوفهم لله، وأشدهم يقيناً، وأعظمهم عناءً، وأحوطهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحدبهم على الإسلام، وآمنهم على أصحابه، وأحسنهم صُحْبة، وأفضلهم مناقب، وأكثرهم سوابق، وأرفعهم درجة، وأشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم به هدياً وخُلُقاً وسمتاً وفعلاً).

    وعندما توقف عبدالله عن قراءة هذا النص التفت فرأى عيون أبيه وأمه وأخته قد احمرتا من البكاء... فقال: رحم الله أبا بكر... هذا الجبل الأشمّ.. الذي سيبقى مارداً كبيراً كما كان.. أبد الدهر.. ونسأل الله أن نلتقيه يوم القيامة وقد نال ما وعده الله ورسوله من أجر عظيم..
    قال الجميع: آمين.. آمين..



    ب- عثمان بن عفان رضي الله عنه.. الصّهر والصّاحب


    24 - قرشيٌّ من بني أمية
    25 - أحسن زوجين رآهما إنسان
    26 - كرمه رضي الله عنه
    27 - تجهيز جيش العسرة وشراء بئر رومة
    28 - تبشيره بالجنة
    29 - بيعة الرضوان
    ‏‏ 30 - توليه الخلافة
    31 - استشهاده


    24 - قرشيٌّ من بني أمية

    في التاريخ أشخاص ليسوا كغيرهم من الناس.. برزوا بشكل واضح وتركوا بصمات جليلة استمرت مئات السنين ولا تزال حتى اليوم.. وهذا التاريخ الإنساني الطويل..لم يسجل أنّ نبيا من الأنبياءً أو رسولاً من الرسل زوَّج ابنتين من بناته لرجل واحد غير نبي واحد.. ولصاحب واحد من أصحابه.. والنبي هو رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. والصاحب إمام مشهور.. وهو أمير المؤمنين.. ذو النورين.. صاحب الهجرتين.. زوج الابنتين، والمصلي إلى القبلتين.. وأحد العشرة المبشرين بالجنة عثمان بن عفان رضي الله عنه. الذي زوجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابنتيه رقية وأم كلثوم رضي الله عنهما؛ واحدة وراء الأخرى.. فلم ينل أحد في الدنيا هذا الشرف العظيم الذي ناله عثمان الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّه أشبه أصحابي بي خُلقاً".
    هو من قبيلة قريش.. القبيلة العربية التي اختار الله تعالى منها نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وعثمان رضي الله عنه من بني أمية.. وهم قوم كانت لهم قيادة وقوة في قريش وبين العرب.. ولد في مكة المكرمة قبل ولادة من رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام بسنوات قليلة.. وفي شبابه كان غنياً شريفاً وتاجراً من كبار التجار، كما كان متعلماً يسأله رجال قريش عن كثير من المسائل، وكان شديد الحياء، صادقاً.. مشهوراً بالصدق والأمانة والوفاء..
    كان رابع من أسلم من الرجال وكانت سنُّه قد جاوزت الثلاثين، حيث دعاه أبوبكر الصديق رضي الله عنه إلى الإسلام فأسلم على الفور. وكان أوّل مهاجر إلى أرض الحبشة لحفظ الإسلام، ثم تبعه سائر المهاجرين في الهجرة الأولى. ثم هاجر بعد ذلك إلى المدينة المنورة، فعرف بأنّه صاحب الهجرتين.

    25 - أحسن زوجين رآهما إنسان

    بعد أن تزوج عثمان رقيّة بنت رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، هاجرت معه إلى الحبشة، وهناك ولدت له ولداً اسمياه عبد الله، لكنه توفي صغيراً فيما بعد.. كما هاجرت معه رقيّة إلى المدينة في الهجرة الثانية، وكان يقال:‏ "أحسن زوجين رآهما إنسان.. رقية وعثمان".. ثم مرضت وماتت في السنة الثانية للهجرة خلال غزوة بدر.. فحزن عليها زوجها حزناً شديداً.. فزوجه الرسول من أختها أم كلثوم، فلقب بذي النورين.
    وكان رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وآله سلم يثق بصهره عثمان ويحبه ويكرمه لحيائه، ودماثة أخلاقه، وحسن عشرته، وما كان يبذله من المال لنصرة المسلمين، وبشره بالجنة كأبي بكر وعمر وعلي وبقية العشرة المبشرين بالجنة رضوان الله عليهم أجمعين. وأخبره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً بأنه سيموت شهيداً.. ‏واستخلفه على المدينة في غزوته إلى ذات الرقاع وإلى غطفان ‏.‏
    كانت علاقته بآل البيت وخاصة بعليّ رضي الله عنه على أحسن حال، ويروى أنّه في السنة الثانية للهجرة الشريفة وعندما تزوج علي بن أبي طالب رضي الله عنه أصغر بنات النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة رضي الله عنها؛ كان لعثمان فضل في دفع مهر علي، حيث اشترى منه درعه (الحطمية) بأربعمئة درهم، فلما استلم علي الدراهم قال له عثمان: الدرع هدية مني لك.. وقد فعل عثمان هذا مع علي رضي الله عنهما لعلمه بعزة نفس علي وكبريائه.. وقد قبل علي الدرع.. فهل يفعل ذلك إلا الذين في قلوبهم محبة ومودة؟
    وفي أيام الفتنة عندما حوصر عثمان في بيته أرسل إليه الإمام علي رضي الله عنه كما ذكرنا سابقاً ولديه الحسن والحسين رضي الله عنهما لحراسته وحمايته.. وقد قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد مقتل عثمان: "اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي".
    وقبيل استشهاده أرسل علي رضي الله عنه إلى عثمان يقول إنّ معي خمسمئة دارع (أي مقاتل) فأذن لي فأمنعك من القوم، فإنك لم تحدث شيئاً يستحل به دمك..
    فقال: جزيت خيراً.. ما أحب أن يهراق دم في سببي..
    ومن جميل اهتمام عثمان رضي الله عنه ببني هاشم وهم آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّه لمّا توفي عم النبي صلى الله عليه وآله سلم العباس رضي الله عنه في عهد عثمان أتت الجنازة إلى موضع الجنائز، فتضايقت الطريق.. فتقدموا به إلى البقيع حيث قبور الصحابة في المدينة، وقال الصحابة إنّ الازدحام كان شديداً ولم يخرج مثل ذلك للصلاة على ميت من قبل.. ولم يستطع أحد أن يدنو من مكانه.. وغلب عليه بنو هاشم... فلما انتهو إلى القبر ازدحموا عليه، فابتعد عثمان وبعث من يبعد الناس عن بني هاشم حتى استطاعوا الاقتراب أكثر، فنزلوا في حفرته ووضعوه في قبره..
    ومن ثناء سيدنا علي رضي الله عنه على عثمان،‏ ما روى الإمام أحمد عن محمد بن حاطب قال‏:‏ سمعت علياً يقول:‏ (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى) منهم عثمان‏. رضي الله عنهم أجمعين.



    26 - كرمه رضي الله عنه

    وفي التاريخ قصص كثيرة تشير إلى كرمه وفضله رضي الله عنه.. ومنها أنّه أصيب الناس بقحط في سنة من السنين، وكان ذلك في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فلما اشتد بهم الأمر جاؤوا الى أبي بكر رضي الله عنه وقالوا له: "يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنّ السماء لم تمطر والأرض لم تنبت، وقد توقع الناس الهلاك فما تصنع؟".
    فقال: "انصرفوا واصبروا.. فإني أرجو ألا تمسوا حتى يفرِّج الله عنكم".
    فلما أصبحوا فإذا بألف جمل محمل بالقمح والزيت والطعام.. تقف عند باب عثمان رضي الله عنه فجعلها في داره.. فجاء اليه التجار.. فقال لهم: ما تريدون؟
    قالوا: إنّك لتعلم ما نريد.
    فقال: كم تربحوني؟
    قالوا: الدرهم درهمين.
    قال: أعطيتُ زيادة على هذا.
    قالوا: أربعة.
    قال: أعطيتُ أكثر.
    قالوا: خمسة.
    قال: أعطيتُ أكثر.
    قالوا: ليس في المدينة تجار غيرنا فمن الذي أعطاك؟
    قال: إن الله أعطاني بكل درهم عشرة دراهم، أعندكم زيادة؟
    قالوا: لا.
    قال: فإني أشهد الله تعالى أني جعلت ما حملت العير صدقة لله على الفقراء والمساكين.


    27 - تجهيز جيش العسرة وشراء بئر رومة


    تعرف غزوة تبوك بغزوة العُسرة، من قول الله تعالى: {لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَة} (التوبة: 117).
    وقد أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم الناس بالخروج، وأعلمهم المكان الذي يريد ليتأهبوا لذلك، وبعث إلى مكة وإلى قبائل العرب يستنفرهم، وأمر الناس بالصدقة، وحثهم على النفقة والحملان، فجاءوا بصدقات كثيرة..
    وكان تصدق عثمان هو الأبلغ أثراً.. حيث جهَّز رضي الله عنه ثلث الجيش.. ب950 جملاً و50 فرساً،‏ وأنفق نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها،‏ وقيل إنّه جاء بألف دينار حين جهز جيش العُسرة، وكانت الألف دينار يومها تساوي الكثير الكثير، فنثرها في حجر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال بعد هذا الموقف:‏ ‏‏"ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم"‏‏‏.‏
    وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ‏"‏من جهز جيش العُسرة فله الجنة".

    وروى الحافظ أبو نُعيم الأصفهاني في كتابه (حلية الأولياء) عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: "اشترى عثمان بن عفان من رسول الله الجنة مرتين، حين حفر بئر رُومة وحين جهز جيشَ العُسْرة". وكانت بئر رُومة يباع ماؤها للمسلمين، وكان يملكها رجل يهودي، وفي رواية رجل من غفار، فحض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين على بذلها للمسلمين، فاشتراها عثمان رضي الله عنه وجعلها في سبيل الله، ويروى أنه زاد في حفرها ووسعها. ولا تزال إلى الآن معروفة في المدينة المنوّرة، وتقع في الشمال الغربي من المدينة قرب مجرى وادي العقيق، وتبعد عن المسجد النبوي بضعة كيلومترات.

    28 - تبشيره بالجنة

    كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم في حديقة مع الصحابي عبدالله بن قيس والباب مغلق، فدق الباب رجل، فقال النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ ‏يا عبداللَّه بن قيس، قم فافتح له الباب وبشَّره بالجنة‏. فقام وفتح الباب فإذا بأبي بكر الصدِّيق، فأخبره بما قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله سلم ، فحمد اللَّه ودخل وقعد. وبعد قليل دقَّ الباب فقال النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم:‏ يا عبداللَّه بن قيس قم فافتح له الباب وبشَّره بالجنة، فإذا بعمر بن الخطاب فأخبره بما قال النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم، فحمد اللَّه ودخل، فسلم وقعد.. ودق الباب ثالثاً فقال النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم: يا عبداللَّه بن قيس قم فافتح الباب له وبشره بالجنة على بلوى تكون.. فإذا بعثمان، فأخبره بما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فحمد الله ثم قال: الله المستعان.
    ‏ وعثمان رضي الله عنه أحد العشرة المبشرين بالجنة الذين ذكرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث واحد وفي سياق واحد: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعلي في الجنة، وعثمان في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة". (رواه الإمام أحمد في مسنده).

    29 - بيعة الرضوان

    كان الرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله سلم متوجهاً إلى مكة يريد العمرة، ومعه نحو 1400 من المهاجرين والأنصار، ولما وصلوا إلى قرية الحديبيّة القريبة من مكة علمت قريش بقدوم الرسول وصحبه، فرفضت السماح لهم بدخول مكة، فبعث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى زعيم قريش أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحربهم وإنما جاء زائراً للكعبة ومعظَّماً لحرمتها..‏ فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم ما أرسله به، فقالوا لعثمان حين فرغ من الرسالة‏:‏ "إن شئت أن تطوف بالبيت فطف". فقال‏:‏ "ما كنت لأفعل حتى يطوف رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم".
    واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول اللَّه والمسلمين أنهم قتلوا عثمان، ولما لم يكن قتل عثمان رضي اللَّه عنه محققاً، بايع النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم عنه على تقدير حياته،‏ وفي ذلك إشارة منه إلى أن عثمان لم يُقتل، وبايع القوم لقتال قريش رداً على ظاهر الإشاعة، فوضع يده اليمنى على يده اليسرى وقال‏:‏ ‏"اللَّهم هذه عن عثمان".
    وكان ظنُّ المسلمين أنّ الكفار قتلوا عثمان، فاجتمعوا حول نبيهم ايعوه على القتال حتى الاستشهاد في سبيل الله، وفيهم نزل قوله تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحًا قريبًا} (الفتح: 18).
    فعلمت قريش بهذه النية، فخافت وأطلقت عثمان على الفور.



    ‏‏ 30 - توليه الخلافة

    تولى عثمان رضي الله عنه الخلافة وعمره يقارب السبعين، وكان ذلك بعد مقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة 24 هجرية، وفي اختياره للخلافة قصة تعرف بقصة الشورى، وهي أنّه لما طعن عمر بن الخطاب دعا ستة من كبار الصحابة، وهم: علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم، ليختاروا من بينهم خليفة.
    وذهب هؤلاء الصحابة الكرام للقاء عمر إلا طلحة بن عبيد الله فقد كان في سفر، وطلب منهم عمر أن يختاروا خليفة من بينهم في مدة أقصاها ثلاثة أيام من بعد وفاته، حرصاً على وحدة المسلمين، فتشاور الصحابة فيما بينهم ثم أجمعوا على اختيار عثمان، وبايعه المسلمون في المسجد بيعة عامة، فأصبح ثالث الخلفاء الراشدين، بموافقة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومبايعته له.
    وكان لعثمان دور كبير في إرساء دولة الإسلام، ومن أهم انجازاته: فتح تركيا وتوسيع الدولة الاسلامية. وقد فتحت في أيامه الإسكندرية ثم أرمينية والقوقاز وخراسان وكرمان وسجستان وإفريقية وقبرص.
    وأنشأ عثمان أوّل أسطول إسلامي لحماية الشواطيء الإسلامية من هجمات البيزنطيين. وكان من أهم إنجازاته كتابة القرآن الكريم الذي كان قد بدء بجمعه في عهد الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
    وكان المسجد النبوي على عهد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم مبنيّاً باللبن وسقفه من الجريد، وعمده من خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئاً وزاد فيه عمر وبناه على بنائه في عهد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم باللبن والجريد وأعاد عمده خشباً، ثمّ غيَّره عثمان، فزاد فيه زيادة كبيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والفضة، وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالسّاج وهو نوع فاخر من الخشب، وجعل أبوابه على ما كانت أيام عمر ستة أبواب.‏

    31 - استشهاده

    حدثت في الفترة الأخيرة من خلافة عثمان رضي الله عنه فتنة، فنقم بعض الناس عليه. وجاءت وفود من مصر والكوفة والبصرة وحاصرت الوفود داره ومنعته من الخروج إلى الصلاة حتى يتنازل عن الخلافة.
    ويروى أنه لمّا بلغ علياً رضي الله عنه أنّ أصحاب الفتنة حاصروا عثمان ومنعوه الماء وأرادوا قتله، أرسل إليه بثلاث قرب (جرار) مملوءة بالماء، وقال لابنيه الحسن والحسين رضي الله عنهما: اذهبا بسيفيكما حتى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحداً يصل إليه، وبعث الزبيرُ ابنه وبعث طلحةُ ابنه وبعث عدد من الصحابة أبناءهم يمنعون الناس من أن يدخلوا على عثمان رضي الله عنه.
    لكن القاتل دخل من الخلف واقتحم عليه داره وهو يقرأ القرآن، فقتله وكان ذلك في شهر ذي الحجة سنة 35ه، فسقطت أول قطرة من دمه على قول الله تعالى: {فسيكفيكهم الله} (البقرة: 137).
    ويروى أن رجالاً من الذين أرادوا شرَّاً بعثمان رضي الله عنه تَسَوَّروا من دار رجل من الأنصار حتى دخلوا عليه وكان يقرأ القرءان وهو صائم، فضربه أحدهم بالسيف فأكبَّت عليه (نائلة) زوجته فَقُطِعَت أصابع يدها ولم يكن مع عثمان رضي الله عنه سواها في الدار، فقتل شهيداً رضي الله تعالى عنه يوم الجمعة في 18 شهر ذي الحجة سنة 35 هجرية، وعمره 90 وقيل أكثر من ذلك وقيل أقل، ودفن ليلة السبت بين المغرب والعشاء بمقبرة البقيع بالمدينة المنورة وصلى عليه الزبير رضي الله عنه.
    وقال عثمان رضي الله عنه يوم مقتله: "إني رأيت البارحة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام وأبا بكر وعمر فقالوا: اصبر فإنك تُفطر عندنا القابلة".. فصام نهاره ليفطر عندهم.. رضي الله عنه.
    وقالت زوجة عثمان رضي الله عنهما حيث قتل: "قتلتموه وأنه ليحيي الليل كله بالقرآن".

    31 - استشهاده

    حدثت في الفترة الأخيرة من خلافة عثمان رضي الله عنه فتنة، فنقم بعض الناس عليه. وجاءت وفود من مصر والكوفة والبصرة وحاصرت الوفود داره ومنعته من الخروج إلى الصلاة حتى يتنازل عن الخلافة.
    ويروى أنه لمّا بلغ علياً رضي الله عنه أنّ أصحاب الفتنة حاصروا عثمان ومنعوه الماء وأرادوا قتله، أرسل إليه بثلاث قرب (جرار) مملوءة بالماء، وقال لابنيه الحسن والحسين رضي الله عنهما: اذهبا بسيفيكما حتى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحداً يصل إليه، وبعث الزبيرُ ابنه وبعث طلحةُ ابنه وبعث عدد من الصحابة أبناءهم يمنعون الناس من أن يدخلوا على عثمان رضي الله عنه.
    لكن القاتل دخل من الخلف واقتحم عليه داره وهو يقرأ القرآن، فقتله وكان ذلك في شهر ذي الحجة سنة 35ه، فسقطت أول قطرة من دمه على قول الله تعالى: {فسيكفيكهم الله} (البقرة: 137).
    ويروى أن رجالاً من الذين أرادوا شرَّاً بعثمان رضي الله عنه تَسَوَّروا من دار رجل من الأنصار حتى دخلوا عليه وكان يقرأ القرءان وهو صائم، فضربه أحدهم بالسيف فأكبَّت عليه (نائلة) زوجته فَقُطِعَت أصابع يدها ولم يكن مع عثمان رضي الله عنه سواها في الدار، فقتل شهيداً رضي الله تعالى عنه يوم الجمعة في 18 شهر ذي الحجة سنة 35 هجرية، وعمره 90 وقيل أكثر من ذلك وقيل أقل، ودفن ليلة السبت بين المغرب والعشاء بمقبرة البقيع بالمدينة المنورة وصلى عليه الزبير رضي الله عنه.
    وقال عثمان رضي الله عنه يوم مقتله: "إني رأيت البارحة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام وأبا بكر وعمر فقالوا: اصبر فإنك تُفطر عندنا القابلة".. فصام نهاره ليفطر عندهم.. رضي الله عنه.
    وقالت زوجة عثمان رضي الله عنهما حيث قتل: "قتلتموه وأنه ليحيي الليل كله بالقرآن".

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    الدولة
    مصرية
    الردود
    163
    معدل تقييم المستوى
    12

    افتراضي رد: قصص الرسول صلى الله عليه وسلم

    منقول

  3. #3
    الصورة الرمزية هنود محمد
    هنود محمد غير متواجد حالياً عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    الدولة
    مصرية 100%
    الردود
    54
    معدل تقييم المستوى
    4

    افتراضي رد: قصص الرسول صلى الله عليه وسلم

    سلمتي يا اختي

المواضيع المتشابهه

  1. 100 سنه من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم
    بواسطة طموٍحي فوق السحآب في المنتدى قسم نبينا وشفيعنا محمد
    المشاركات: 10
    آخر رد: 30/11/2011, 10:45 AM
  2. قبر الرسول صلى الله عليه وسلم
    بواسطة مرام+ في المنتدى غرائب وعجائب اسرار غريبة عجيبة مخيفة و حقائق علمية
    المشاركات: 35
    آخر رد: 01/01/2011, 02:52 PM
  3. صبر الرسول صلى الله عليه وسلم
    بواسطة وردة وفا في المنتدى المنتدى الاسلامي العام
    المشاركات: 9
    آخر رد: 12/07/2010, 06:21 PM
  4. وصف شكل الرسول صلي الله عليه وسلم
    بواسطة ريمامحمد في المنتدى المنتدى الاسلامي العام
    المشاركات: 4
    آخر رد: 13/11/2009, 05:19 PM
  5. اذا تحب الرسول صلى الله عليه وسلم
    بواسطة بارقة السيف في المنتدى المنتدى الاسلامي العام
    المشاركات: 2
    آخر رد: 14/05/2009, 06:36 AM

كلمات الموضوع الدليلية

صلاحيات المواضيع والردود

  • لا يمكن إضافة مواضيع جديدة
  • لا يمكن الرد على المواضيع
  • لا يمكن إرفاق ملفات
  • لا يمكن تعديل مشاركاتك
  •  

Content Relevant URLs by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.